- ٥٤ - رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
- ٥٥ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زبورا
يقول تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها الناس، أي أعلم بمن يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بِأَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِطَاعَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ أَيْ إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ نَذِيرًا، فَمَنْ أَطَاعَكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاكَ دَخَلَ النَّارَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ بِمَرَاتِبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بعض﴾، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَصَبِيَّةِ، لا بمقتضى الدليل، فإن دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وأن أولي العزم منهم أفضل، وَهُمُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورُونَ نَصًّا فِي آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نوح ومن إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾. وَفِي الشُّورَى فِي قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى، ثم عيسى ﵈ على المشهور، وقد بسطناه بِدَلَائِلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فكان يقرؤه قبل أن يفرغ» (رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً) يعني القرآن.