إِحْدَى ابْنَتَيْ هَذَا الرَّجُلِ قِيلَ: هِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ وَرَاءَ مُوسَى ﵇ قَالَتْ لِأَبِيهَا: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أَيْ لِرِعْيَةِ هَذِهِ الْغَنَمِ، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قَالَ له أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إِنَّهُ رَفَعَ الصَّخْرَةَ الَّتِي لَا يَطِيقُ حَمْلَهَا إلاّ عشرة رجال، وإن لَمَّا جِئْتُ مَعَهُ تَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ فَقَالَ لِي: كوني من ورائي، فإذا اختلف عليَّ الطَّرِيقَ فَاحْذِفِي لِي بِحَصَاةٍ أَعْلَمُ بِهَا كَيْفَ الطريق لأهتدي إليه (روي هذا القول عن عمر وابن عباس وشريح القاضي وقتادة ومحمد بن إسحاق وغيرهم). وقال ابن مسعود: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ حِينَ تَفَرَّسَ في عمره وصاحب يوسف حين قال أكرمي مثواه، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتْ: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ أَيْ طَلَبَ إِلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى بنتيه.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ عَلَى أَنْ تَرْعَى غنمي ثَمَانِي سِنِينَ، فَإِنْ تَبَرَّعْتَ بِزِيَادَةِ سَنَتَيْنِ فَهُوَ إليك، وإلاّ ففي الثمان كِفَايَةٌ، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أَيْ لَا أشاقك ولا أؤاذيك ولا أماريك. وفي الحديث: «إِنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ فرجه وطعمة بطنه» (أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجة عن (عتبة بن المنذر السلمي) مرفوعاً)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى ﵇ ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِصِهْرِهِ الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتَ مِنْ أَنَّكَ اسْتَأْجَرْتَنِي عَلَى ثَمَانِ سِنِينَ، فَإِنْ أَتْمَمْتُ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِي فَأَنَا مَتَى فَعَلْتُ أَقَلَّهُمَا، فَقَدْ بَرِئْتُ مِنَ الْعَهْدِ وَخَرَجْتُ مِنَ الشَّرْطِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أَيْ فَلَا حرج عليّ، وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قَالَ سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي حَتَّى أقدم على حبر العرب، فأسأله، فقدمت على (ابن عباس) ﵁ فسألته، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قال فعل. وعن أبي ذر ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: سُئِلَ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: "أَوْفَاهُمَا وَأَبَرَّهُمَا، قَالَ: وَإِنْ سُئِلْتَ أَيَّ المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما" (أخرجه البزار عن أبي ذر ﵁. وروى ابن جرير عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا دَعَا نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى ﵇ صَاحِبَهُ إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: كُلُّ شَاةٍ وَلَدَتْ عَلَى غير لونها فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالاً على الماء، فلما رأيت الْخَيَالَ فَزِعَتْ فَجَالَتْ جَوْلَةً، فَوَلَدْنَ كُلُّهُنَّ بُلْقًا إلاّ شاة واحدة فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام.