قومك ممحلاً ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا» قُلْتُ: بَلَى، قال ﷺ: «فكذلك يحيي الله الموتى»، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ أَيْ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَزِيزًا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعاً، كما قال تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقال ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بِعِبَادَةِ الأوثان ﴿فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ أَيْ فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وقوله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يَعْنِي الذِّكْرَ وَالتِّلَاوَةَ والدعاء؛ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَبَارَكَ اللَّهُ، أَخَذَهُنَّ ملَك فَجَعَلَهُنَّ تَحْتَ جَنَاحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِنَّ إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يَمُرُّ بِهِنَّ عَلَى جَمْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا اسْتَغْفَرُوا لِقَائِلِهِنَّ، حَتَّى يَجِيءَ بِهِنَّ وَجْهَ الله ﷿، ثم قرأ عبد الله ﵁: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وقال كعب الأحبار: إن لسبحان اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَدَوِيًّا حَوْلَ الْعَرْشِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يذكرن لصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن.
وقوله تعالى: ﴿والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن عباس: الكلم الطيب ذكر الله تعالى يُصْعَدُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَالْعَمَلُ الصالح أداء الفريضة، فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله ﷿، ومن ذكر الله تعالى وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رُدَّ كَلَامُهُ عَلَى عَمَلِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصالح يرفع الكلام الطيب، وقال إياس بن معاوية: لَوْلَا الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَمْ يُرْفَعِ الْكَلَامُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وقوله تعالى: ﴿والذين يَمْكُرُونَ السيئات﴾ قال مجاهد: هم المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، يَعْنِي يَمْكُرُونَ بِالنَّاسِ، يُوهِمُونَ
أَنَّهُمْ فِي طاعة الله تعالى وهم بغضاء إلى الله ﷿ يراؤون بأعمالهم ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ الله إِلَاّ قليلا﴾، وقال ابن أَسْلَمَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ، وَالْمُشْرِكُونَ داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أَيْ يَفْسَدُ وَيَبْطُلُ، وَيَظْهَرُ زَيْفُهُمْ عَنْ قَرِيبٍ لأولي البصائر والنُّهَى، فإنه مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ تعالى عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَمَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، فَالْمُرَائِي لَا يَرُوجُ أَمْرُهُ وَيَسْتَمِرُّ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ، أَمَّا المؤمنون المتفرسون فلا يروج لهم ذلك عليهم بل ينكشف لَهُمْ عَنْ قَرِيبٍ، وَعَالَمُ الْغَيْبِ لَا تَخْفَى عليه خافية، وقوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ أَيِ ابْتَدَأَ خَلْقَ أَبِيكُمْ آدَمَ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَاءٍ مَهِينٍ، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أَيْ ذَكَرًا وَأُنْثَى لُطْفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً أَنْ جَعَلَ لَكُمْ أَزْوَاجًا من جنسكم لتسكنوا إليها، وقوله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ ﴿مَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَاّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ وقوله ﷿: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِي كِتَابٍ﴾ أَيْ مَا يُعْطَى بَعْضُ النُّطَفِ مِنَ الْعُمُرِ