على أن مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ يُلْقَى فِي الْبَحْرِ، لِتَخِفَّ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ (يُونُسَ) ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهُمْ يَضِنُّونَ بِهِ أَنْ يُلْقَى مِنْ بَيْنِهِمْ، فَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ لِيُلْقِيَ نَفْسَهُ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتاً أن يَلْتَقِمَ يُونُسَ ﵇، فَلَا يُهَشِّمَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا، فَجَاءَ ذَلِكَ الحوت وألقي يونس ﵇، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَذَهَبَ بِهِ فَطَافَ بِهِ الْبِحَارَ كلها، ولما استقر فِي بَطْنِ الْحُوتِ حَسَبَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ وَرَجْلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ، فَإِذَا هُوَ حي، فقام فصلى فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ دُعَائِهِ: «يَا رَبِّ اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ»، وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ مَا لَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقِيلَ ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، وقيل: أربعين يوماً، وقال مجاهد: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك. وقوله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قِيلَ: لَوْلَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الرَّخَاءِ، قَالَهُ الضحّاك واختاره ابن جرير. وفي الحديث: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشدة» (أخرجه الترمذي في سننه.). وقال ابن عباس وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني المصلين، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ فِي جَوْفِ أَبَوَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ هو قوله ﷿: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾. روى ابن أبي حاتم عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ يرفعه -: "إن يونس النبي ﵊ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلَمَّاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بِالْعَرْشِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ هَذَا صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ غَرِيبَةٍ، فَقَالَ الله تعالى: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ وَمَنْ هو؟ قال ﷿: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، قالوا: يا رب أو لا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ فَتُنَجِّيَهُ فِي الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ بالعراء" (أخرجه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابن وهب.).
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أَيْ أَلْقَيْنَاهُ ﴿بِالْعَرَاءِ﴾، قال ابن عباس: وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ بِهَا نَبْتٌ وَلَا بِنَاءٌ، قِيلَ: عَلَى جَانِبِ دِجْلَةَ، وَقِيلَ: بِأَرْضِ الْيَمَنِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أَيْ ضَعِيفُ الْبَدَنِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كهيئة الصبي حين يولد، وهو المنفوس، ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾ قَالَ ابْنُ مسعود وابن عباس: (اليقطين) هو القرع (وهو قول جمهور السلف.)، وقال سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ شَجَرَةٍ لَا سَاقَ لَهَا فَهِيَ مِنَ الْيَقْطِينِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كُلُّ شَجَرَةٍ تَهْلِكُ مِنْ عَامِهَا فَهِيَ مِنَ الْيَقْطِينِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْقَرْعِ فَوَائِدَ: مِنْهَا سُرْعَةُ نَبَاتِهِ، وَتَظْلِيلُ وَرَقِهِ لِكِبَرِهِ وَنُعُومَتِهِ، وَأَنَّهُ لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثَمَرِهِ، وَأَنَّهُ يُؤْكَلُ نَيِّئًّا وَمَطْبُوخًا بِلُبِّهِ وَقِشْرِهِ أَيْضًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يحب الدباء، ويتبعه مِنْ حَوَاشِي الصَّحْفَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ رسالة يونس ﵊ بَعْدَ مَا نَبَذَهُ الْحُوتُ (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عن ابن عباس.)، وقال مُجَاهِدٍ: أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ الْحُوتُ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إليهم أولاً أمر بالعودة إِلَيْهِمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُوتِ، فَصَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ وَآمَنُوا بِهِ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ: