هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثُ الَّذِي قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ نَدِمَ وَسَأَلَ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ وَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً،
ثُمَّ سَأَلَ عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى قَرْيَةٍ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا فَقَصَدَهَا، فَأَتَاهُ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَمَرَ الله ﷿ أن يقيسوا ما بين الأرضيين فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبُ فَهُوَ مِنْهَا، فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا بشير فقبضته ملائكة الرحمة، هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخر بلفظه، وقال ابن عباس في قوله ﷿ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قال: قد دعا الله تعالى إِلَى مَغْفِرَتِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ثم دعا إلى التوبة مَنْ هُوَ أَعْظَمُ قَوْلًا مِنْ هَؤُلَاءِ، مَنْ قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ وَقَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ مَنْ آيَسَ عِبَادَ اللَّهِ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدَ هذا فقد جحد كتاب الله ﷿، وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ أَنْ يَتُوبَ حَتَّى يتوب الله عليه، وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: إِنَّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَإِنَّ أَجْمَعَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِخَيْرٍ وَشَرٍّ ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرحاً ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وَإِنَّ أَشَدَّ آية في كتاب الله تفويضاً: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب﴾ (رواه الطبراني عن ابن مسعود موقوفاً). ومرَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى قاصٍّ وَهُوَ يَذَكِّرُ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مذكر لِمَ تقنطِ الناسَ من رحمة الله؟ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (رواه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أيضاً).
(ذكر أحاديث فيها نفي القنوط).
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثم استغفرتم الله تعالى لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لم تخطئوا لجاء الله ﷿ بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (تفرد به الإمام أحمد من حديث أَنَس بن مالك)، وعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُ مِنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لخلق الله ﷿ قوماً يذنبون فيغفر لهم» (أخرجه أحمد ورواه مسلم والترمذي)، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عَنْهُمَا قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كفارة الذنب الندامة» (أخرجه أحمد عن ابن عباس موقوفاً)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم» (تفرد به الإمام أحمد). ثم استحث تبارك