لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى التَّوْحِيدَ لَهُ وَإِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ إِلَيْهِ، عَطَفَ بِالْوَصِيَّةِ بِالْوَالِدَيْنِ، كَمَا هُوَ مَقْرُونٌ فِي غَيْرِ مَا آية من القرآن كقوله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحساناً﴾، وقوله ﷻ: ﴿أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَقَالَ ﷿ ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ أَيْ أَمَرْنَاهُ بِالْإِحْسَانِ إليهما والحنو عليهما، روى أبو داود الطيالسي، عن سعد ﵁ قَالَ، قَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ لِسَعْدٍ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ؟ فَلَا آكُلُ طَعَامًا ولا أشرب شراباً حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعَتْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، حَتَّى جَعَلُوا يَفْتَحُونَ فَاهَا بِالْعَصَا، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحساناً﴾ الآية (أخرجه الطيالسي، ورواه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجة بإسناد نَحْوَهُ وَأَطْوَلَ مِنْهُ)، ﴿حَمَلَتْهُ أُمّه كُرْهاً﴾ أَيْ قَاسَتْ بِسَبَبِهِ فِي حَالِ حَمْلِهِ مَشَقَّةً وَتَعَبًا، من وَحَم وَغَشَيَانٍ وَثِقَلٍ وَكَرْبٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمَّا تَنَالُ الْحَوَامِلُ مِنَ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ أَيْ بِمَشَقَّةٍ أَيْضًا مِنَ الطَّلْقِ وَشِدَّتِهِ، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ وقد استدل بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وهو استنباط قوي صحيح، روى محمد بن إسحاق، عن معمر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَّا امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ لِتَمَامِ ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ﵁، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا فَلَمَّا قَامَتْ لِتَلَبِسَ ثِيَابَهَا بَكَتْ أُخْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا يُبْكِيكِ، فَوَاللَّهِ مَا الْتَبَسَ بِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ﷾ فيَّ مَا شَاءَ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهَا عُثْمَانُ ﵁ أمر برجمها، فبلغ ذلك علياً ﵁، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: وَلَدَتْ تَمَامًا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ له علي ﵁: أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ أَمَا سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فَلَمْ نَجِدْهُ بَقَّى إِلَّا سِتَّةَ أشهر، قال، فقال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا، عليَّ بِالْمَرْأَةِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ فُرِغَ مِنْهَا، قَالَ، فقال معمر: فَوَاللَّهِ مَا الْغُرَابُ بِالْغُرَابِ، وَلَا الْبَيْضَةُ بِالْبَيْضَةِ بِأَشْبَهَ مِنْهُ بِأَبِيهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ قَالَ: ابني والله لا أشك فيه، قال، وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات (أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير: وقد أوردناه من وجه آخر)، وقال ابن عباس: إِذَا وَضَعَتِ الْمَرْأَةُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَفَاهُ مِنَ الرَّضَاعِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، وَإِذَا وَضَعَتْهُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ كَفَاهُ مِنَ الرَّضَاعِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فهولين كَامِلَيْنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ ﴿حتى بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أَيْ قَوِيَ وَشَبَّ وَارْتَجَلَ، ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أَيْ تَنَاهَى عَقْلُهُ، وَكَمُلَ فَهْمُهُ وَحِلْمُهُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا عَمَّا يكون عليه ابن الأربعين، وروى الحافظ الموصلي، عن عثمان ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، وَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ سَنَةً أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا بلغ ثمانين سنة ثَّبت الله تعالى حَسَنَاتِهِ وَمَحَا سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً غفر الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكُتِبَ فِي السَّمَاءِ أَسِيرَ الله في أرضه» (أخرجه الحافظ الموصلي، وروي من غير هذا الوجه في مسند الإمام أحمد).
﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أَيْ أَلْهِمْنِي ﴿أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عليَّ وَعَلَى والديَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾