الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمُهَنَّإِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، قَالَ: «لَا، مَا أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» (أخرجه أحمد في المسند). ودعا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ تُقْطِعَ لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا، قَالَ: «إِمَّا لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة» (أخرجه البخاري). وقال البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: «لَا»، فَقَالُوا: أتكفونا الْمُؤْنَةَ ونُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ؟ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أَيْ وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ، فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﴿وَلَا
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يَعْنِي الْحَسَدَ ﴿مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فِيمَا أَعْطَى إخوانهم، وقال عبد الرحمن بن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ يَعْنِي مِمَّا أُوتُوا الْمُهَاجِرُونَ، قَالَ: وَتَكَلَّمَ فِي أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَآءَ الله على رسوله فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ «إن إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ»، فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟» قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ الثَّمَرَ»، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يعني حاجة، أي يقدموا المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدأون بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أفضلُ الصدقة جهد المقل»، وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ ﵁ بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» فقال ﵁: أبقيت لهم الله ورسوله، وهكذا الْمَاءُ الَّذِي عُرِضَ عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إِلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى الْمَاءِ، فَرَدَّهُ الْآخَرُ إِلَى الثَّالِثِ، فَمَا وَصَلَ إِلَى الثَّالِثِ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ﵃ وَأَرْضَاهُمْ، وقال البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَنِي الْجُهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أهله، فقال لامرأته هذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العشاء فنوميهم وتعالي فأطفيء السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ ﷿ أَوْ ضَحِكَ - مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (أخرجه البخاري، ورواه مسلم والترمذي والنسائي بنحوه). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طلحة ﵁.
وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وأنجح، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ