الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ)؟ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَا بِهِ، فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ فَبَيَّنَ لَهُمْ، فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُد بِذَلِكَ فَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُدْبِرِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ تَوْبِيخًا لِقَوْمٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنَا، ضَرَبْنَا، طَعَنَّا، وَفَعَلْنَا؛ وَلَمْ يَكُونُوا فعلوا ذلك. وقال ابن زيد: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعِدُونَ الْمُسْلِمِينَ النَّصْرَ وَلَا يَفُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ مجاهد: نزلت فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ)، قَالُوا فِي مَجْلِسٍ: لَوْ نَعْلَمُ أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت؟ فأنزل الله تعالى هَذَا فِيهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: لا أبرح حبيساً في سبيل الله أموت فقتل شهيداً.
ولهذا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فَهَذَا إِخْبَارٌ
من الله تعالى بمحبته عبادة المؤمنين، إذا صفوا مُوَاجِهِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرُ العالي على سائر الأديان، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثلاثة يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ: الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا للقتال" (أخرجه ابن ماجه والإمام أحمد). وقال مُطَرِّفٌ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ كُنْتُ أَشْتَهِي لِقَاءَهُ، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ حَدِيثٌ فَكُنْتُ أَشْتَهِي لِقَاءَكَ، فَقَالَ: لِلَّهِ أَبُوكَ، فَقَدْ لَقِيتَ فَهَاتِ، فَقُلْتُ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَكُمْ أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثَلَاثَةً، قَالَ: أَجَلْ فَلَا إِخَالُنِي أَكْذِبُ عَلَى خَلِيلِي ﷺ، قُلْتُ: فَمَنْ هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ﷿؟ قَالَ: رَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَرَجَ مُحْتَسِبًا مُجَاهِدًا، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَقُتِلَ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مرصوص﴾ (أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي والنسائي بنحوه) وذكر الحديث. وقال سعيد بن جبير في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ إِلَّا أَنْ يُصَافَّهُمْ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ أي مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، مِنَ الصَّفِّ فِي القتال، وقال مقاتل بن حيان: مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ مُثَبَّتٌ لَا يَزُولُ مُلْصَقٌ بعضه ببعض، وقال ابن جرير، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ عَلَى الْخَيْلِ، وَيَسْتَحِبُّونَ الْقِتَالَ عَلَى الْأَرْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ قَالَ، وَكَانَ أَبُو بَحْرِيَّةَ يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي الْتَفَتُّ فِي الصف فجأوا (فجأوا: أي اضربوا (من: وجأ عنقه أو في عنقه) ضربه) في لحيي.