المكذبون بما جئتهم به من الهدى حيث نسبوك إِلَى الْجُنُونِ، ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي إن لَكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَبِيدُ، عَلَى إِبْلَاغِكَ رِسَالَةَ رَبِّكَ إِلَى الْخَلْقِ، وَصَبْرِكَ عَلَى أَذَاهُمْ، وَمَعْنَى ﴿غَيْرُ ممنون﴾ أي غيرمقطوع، كقوله: ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أَيْ غَيْرُ مَقْطُوعٍ عَنْهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: أَيْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قُلْنَاهُ، وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام، وقال عطية: لعلى أدب عظيم، وقال قتادة: ذكر لنا أن سعيد بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كان كالقرآن، وروى الإمام أحمد عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن (أخرجه الإمام أحمد)، وقال ابن جرير، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أمّ المؤمنين ﵂ فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ﷺ، فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ كالقرآن، أَما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ (رواه ابن جرير واللفظ له ورواه أبو داود والنسائي بنحوه) ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن سجية له وخلقاً، وَتَرَكَ طَبْعَهُ الْجِبِلِّيَّ، فَمَهْمَا أَمَرَهُ الْقُرْآنُ فَعَلَهُ، وَمَهْمَا نَهَاهُ عَنْهُ تَرَكَهُ، هَذَا مَعَ مَا جَبَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، مِنَ الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّفْحِ وَالْحِلْمِ، وَكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنس، قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرٌ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فعلتُه لِمَ فعلتَه؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ أَلَا فَعَلْتَهُ؟ وَكَانَ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلقاً وَلَا مَسِسْتُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلين مِنْ كَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطيب مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أخرجه الشيخان عن أنَس ﵁، وروى البخاري، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَ النَّاسِ خَلقاً ليس بالطويل ولا بالقصير (أخرجه البخاري)، وروى الإمام أحمد، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ خادماً قط، ولا ضرب امْرَأَةً، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قَطُّ إِلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ أَيْسَرَهُمَا حَتَّى يَكُونَ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ الْإِثْمِ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَكُونُ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ ﷿ (أخرجه الإمام أحمد وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَلِأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ كتاب سّماه (الشمائل)).
وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أَيْ فَسَتَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ وَسَيَعْلَمُ مُخَالِفُوكَ وَمُكَذِّبُوكَ، مَنِ الْمَفْتُونُ الضَّالُّ مِنْكَ وَمِنْهُمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَتَعْلَمُ ويعلمون يوم القيامة، ﴿بأيكم المفتون﴾ أي المجنون، وقال قتادة: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أَيْ أَوْلَى بِالشَّيْطَانِ، وَمَعْنَى الْمَفْتُونِ ظاهر أي الذي افْتُتِنَ عَنِ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الباء في قوله: ﴿بأيكم﴾ لِتَدُلَّ عَلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ وتقديره: فستعلم ويعلمون، أي فَسَتُخْبَرُ وَيُخْبَرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أَيْ هُوَ يَعْلَمُ تَعَالَى أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ هُوَ الْمُهْتَدِي، وَيَعْلَمُ الْحِزْبَ الضَّالَّ عَنِ الْحَقِّ.