وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَكُونُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ إلَّا حُكْمًا، وَمَا قَبْلَهَا إلَّا سَبَبًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ بِالْوَضْعِ عَنْ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا، نَحْوُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَاتَّقِ اللَّهَ، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوُ: اتَّقِ اللَّهَ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَازِمٌ، وَالشَّرْطُ مَلْزُومٌ، وَاللَّازِمُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَلْزُومِ، وَثُبُوتُهُ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِهِ. بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا مَا بَعْدَ الْفَاءِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةً. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَهُ إلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدْ يَقْتَضِيَانِ الشَّرْطَ فَيُجْزَمُ جَوَابُهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] أَيْ: هَبْ لِي، فَإِنَّك إنْ تَهَبْ لِي وَلِيًّا يَرِثُنِي. وَقَوْلُك: لَا تَقْرَبْ الشَّرَّ تَنْجُ: أَيْ: لَا تَقْرَبْهُ، فَإِنَّك إنْ لَا تَقْرَبْهُ تَنْجُ، وَتَدْخُلُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﷺ: «لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ» أَيْ إنَّهُ مَاتَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا. فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ الصِّيَغِ كُلِّهَا فِي تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمُ إمَّا مُسَبَّبٌ أَوْ مَشْرُوطٌ وَهُوَ مُسَبَّبٌ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ، نَعَمْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ تَحْقِيقًا، وَبَعْضُهُ مُتَأَخِّرٌ تَقْدِيرًا.
السَّابِعُ: تَعْلِيلُ عَدَمِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] . . . ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] . . .، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] . . . أَيْ: آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ لَا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ الْمَانِعِ الَّذِي مَنَعَ مِنْ إنْزَالِ الْمَلَكِ عِيَانًا بِحَيْثُ يُشَاهِدُونَهُ، وَأَنَّ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ مَنَعَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَلَكًا