فَرَأَيْت دِينِي الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ. فَوَجَدَ النَّقِيبُ سَاعَةً ثُمَّ عَرَفَ صِدْقَ الْيَهُودِيِّ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ إلَى الْأَرْضِ سَاعَةً وَقَالَ: صَدَقْت مُدَّ يَدَك فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَدْ تُبْت إلَى اللَّهِ عَمَّا كُنْت أَقُولُ وَأَعْتَقِدُهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَأَنَا أَيْضًا أَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ كُلَّ دِينٍ غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِلٌ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَتَابَ النَّقِيبُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ﷿ وَهِدَايَتِهِ، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَرْضَاتِهِ وَهَدَانَا لِاقْتِفَاءِ آثَارِ نَبِيِّهِ وَسُنَّتِهِ ﷺ إنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ.
وَإِنَّمَا أَسْلَمَ النَّقِيبُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ سَبَّ عَائِشَةَ ﵂ بِالْفَاحِشَةِ كُفْرٌ إجْمَاعًا لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ النَّازِلِ بِبَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ إلَيْهَا الْمُنَافِقُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْكَارُ صُحْبَةِ أَبِيهَا كُفْرٌ إجْمَاعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ أَيْضًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَقَدْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ بِقَتْلِ سَابِّ عَائِشَةَ ﵂.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ: كُنْت يَوْمًا بِحَضْرَةِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الدَّاعِي بِطَبَرِسْتَانَ وَكَانَ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُوَجِّهُ كُلَّ سَنَةٍ إلَى بَغْدَادَ عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ تُفَرَّقُ عَلَى أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، فَحَضَرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَذَكَرَ عَائِشَةَ ﵂ بِذِكْرٍ قَبِيحٍ مِنْ الْفَاحِشَةِ، فَقَالَ الْحَسَنُ لِغُلَامِهِ يَا غُلَامُ قُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَ هَذَا فَنَهَضَ إلَيْهِ الْعَلَوِيُّونَ وَقَالُوا هَذَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِنَا، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ طَعَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] فَإِذَا كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ خَبِيثَةً فَإِنَّ زَوْجَهَا يَكُونُ خَبِيثًا وَحَاشَاهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَهِيَ الطَّيِّبَةُ الطَّاهِرَةُ الْمُبَرَّأَةُ مِنْ السَّبِّ.
قُمْ يَا غُلَامُ فَاضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْكَافِرِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
وَقَدْ تَمَيَّزَتْ ﵂ بِمَنَاقِبَ كَثِيرَةٍ: جَاءَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً هَاجَرَ أَبَوَاهَا إلَّا هِيَ، وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إلَيْهِ وَأَبُوهَا أَعَزَّ أَصْحَابِهِ وَأَكْرَمَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي غَيْرِ لِحَافِهَا، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنْ السَّمَاءِ رَدًّا عَلَى مَنْ طَعَنَ فِيهَا، وَوَهَبَتْهَا سَوْدَةُ يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا فَكَانَ لَهَا يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ تَغْضَبُ فَيَتَرَضَّاهَا، وَقُبِضَ ﷺ بَيْنَ سَحَرِهَا وَنَحْرِهَا، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهَا وَكَانَ قَدْ