فصل في
[بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة]
وأقام رسول الله ﷺ بمكة مع من بقي معه ممن أسلم ولم يهاجر إلى أرض الحبشة صابرا على أذى قومه إلى أن بايع الأنصار بالعقبة. وذلك أنه لقي منهم ستة نفر عند العقبة بالموسم فدعاهم إلى الإسلام، وكان من صنع الله لهم أنهم كانوا جيران اليهود فكانوا يسمعونهم يذكرون أن الله يبعث نبيا قد أظل زمانه. فقالوا هذا والله الذي تهددنا يهود به فلا يسبقنا أحد، فآمنوا وبايعوا وانصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ ثم قدم في العام المقبل إلى الموسم اثنا عشر رجلا من ساداتهم، وهم النقباء، فبايعوا رسول الله عند العقبة، وبعث رسول الله ﷺ معهم ابن أم مكتوم ومصعب بن عمير ليعلما من أسلم منهم القرآن وشرائع الإسلام ويدعوا من لم يسلم منهم إلى الإسلام. فلما كان في العام الثالث قدم منهم نفر كثير ممن أسلم، فبايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأن يرحل إليهم. فلما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله ﷺ وكانت سرا من كفار قريش وكفار قومهم، أمر رسول الله ﷺ من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالا.
قيل إن أول من خرج منهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وحبست عنه امرأته أم سلمة نحوا من سنة ثم أذن لها باللحاق بزوجها فلحقت به، ولم يبق مع رسول الله ﷺ بمكة من أصحابه إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، أقاما مع رسول الله ﷺ بأمره، وحبس قوم من أصحابه عن الهجرة كرها، منعهم قوم من الكفار فكتب لهم أجر المهاجرين.
فلما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة وقد دخل أهلها في الإسلام قالوا: هذا شيء شاغل لا يطاق، فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله ﷺ فبيتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج. فأمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله ﷿ أن يعمي عليهم أمره