الآيَةِ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ أَنْ يَفْتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وأَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا، قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ" (¬١).
وقيل: إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: لرادُّك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فالمراد بالمعاد معادُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ المَعْنَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ، وَأَوْجَبَ عَلَيْك تِلاوتَه، وتبليغَه، وَالْعَمَلَ بِهِ، لم يُنْزِلْه عَبَثًا، بل أَنْزَلَه لِأَمْرٍ يَعُودُ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ المُرَادُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لتجزى وتسأل: هل بَلَّغْتَ أَمْ لَمْ تُبْلِّغْ؟ قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧].
وَهَذَا المَعْنَى أَقْرَبُ مِمَّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا المَعْنَى، ويُقَرِّبُه أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَإِذَا كَانَتْ مكية، فَكَيْفَ يُقَالُ لَمِنْ فِي مَكَّةَ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إلى مكة؟ ! وَأَيْضًا هُوَ أنسبُ بالنسبة لصَدْرِ الآية، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ هَذَا الْفَرْضُ لَمْ يَكُنْ عَبَثًا، بَلْ لَهُ يَوْمٌ يُعاد فيه الناسُ، ويسألون عنه، ويُجازون فيه.
وَهَذَا الْقَول هُوَ الصَّوَابُ، وما قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُ وَجْهٌ، لكنه بَعِيد.
فيكون مَعْنَى قَوْله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إِلَى مَكَّةَ، فيكون إِشَارَةً إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وعلامةً عَلَى قُرْبِ أَجَلِ النَّبِيِّ ﷺ، وقُرب الأجَل معناه الموتُ، ثم البعث.
قَوْلُه تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي﴾ الرُّبوبية هنا خاصَّة، أي: رَبِّي الَّذِي أرسلني ﴿أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ﴾، أي: يَعْلَمُ مَنْ هو آتٍ بالهُدى، وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ