فأَصَابهُم الجَدْبُ والقَحْطُ والجوعُ؛ هذا العذابُ مِنَ اللَّه ﷿، وكذلك ما كان على أَيْدِي المؤمنينَ في غَزوةِ بَدْرٍ فإن تلكَ الغزوةَ أصابَتْهُم إصابةً بالِغَةً عظِيمَةً، ولهذا سَمَّى اللَّه يومَهَا يومَ الفِرقانِ، ما من بَيْتٍ من بُيوتِ مكَّةَ الكبارَ إلا وقَدْ أُصيبَ بهذه المصِيبَةِ وعُذِّبَ بهذا العذابِ.
وعلى العُمومِ فإن قُرَيشًا أُصِيبُوا عامَّةً بنَكْبَةٍ بالِغَةٍ لأن صَنَادِيدَهُم ورُؤساءَهم قُتِلُوا، ثم قُتِلُوا وغُلِبُوا وأُسِرُوا وهُزِمُوا وخابُوا، على حين أنهم كما قال اللَّه ﷿: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، خرَجُوا وقد جَزَمُوا أنهم غَانِمُونَ وهازِمُونَ للرَّسُولِ ﵊ وأصحابِهِ، ويقول أبو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَقْدَمَ بَدْرًا فنَنْحَرُ الجَزُورَ، ونُسْقَي الخمور، وتُعْزَفُ علينا القيانُ، ويَسْمَع بِنَا العرب فلا يزالونَ يهَابُونَنَا أَبَدًا (¬١).
لكِنَّ اللَّهَ ﷿ مِنْ ورَائِهِمْ محُيطٌ، فالذي حَصَلَ أن العربَ تَحَدَّثُوا بهم، وأن القِيانَ عَزَفَتْ عليهِمْ بالنَّعْي لا بالفَرْحِ، وأنهم سُقُوا كأسَ الحمامِ ولم يُسْقَوا الخَمْرَ، فصارَ الأمرُ عكسَ ما قالُوا تمامًا، والنَّبِيُّ ﷺ رفعَ اللَّهُ رايَتَهُ ونصَرَهُ، ووقَفَ عليهم مُوَبِّخًا على القَلِيبِ وهم جُثَثٌ هامدَةٌ، يقول: "يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا" (¬٢)، هل يُوجَدُ أبلغُ من هذا الذُّلِّ