وأمَّا المُوجِب الرَّابع لتخصيصِ الحديث: فإنَّ مِن حَموِ (¬١) المرأةِ زمنَ النُّبوة مَن كان في حاجةٍ لتردادِ دخول بيتِ زوجِها، ومعلوم حالُ فقرِ الصَّحابة وقتَها وصِغر بيوتِهم، ومعرفتُهم بنهيِ النَّبي ﷺ لهم عن الدُّخولِ على النِّساء (¬٢).
فلو كان رضاع الكبير مُحرِّمًا بإطلاقٍ، لأقبلوا على الرَّضاعِ مِن زوجاتِ إخوانِهم ليتنفيَ الحَرَج بينهم بالمرَّة! فلمَّا لم يَقع ذلك منهم، مع الحاجة إليه، ولم يُؤثَر أنَّ النَّبي ﷺ رخَّص لأحدٍ غير سهلة مع توفُّرِ الدَّواعي: دَلَّ ذلك على أنَّ مُطلقَ الحاجةِ لا تُبيح رَضاع الكبير، فضلًا عن أن تكون لغيرِ حاجة (¬٣) كما شَنَّع به بعضُ المُغفَّلينَ على الحديث (¬٤).
وجريُ عَملِ الصَّحابةِ على منعِ الرُّخصة في ذلك للكبيرِ إن دَلَّ على شيءٍ، فعلى أنَّ حكم واقعة سهلة لو كان عامًّا، لكانَ انتشارُه في الأمَّةِ أظهرَ وأوسعَ مِن أن يُحصَر في امرأةٍ واحدةٍ! لحاجةِ النَّاسِ الشَّديدةِ إلى معرفتِه والأخذِ به (¬٥)، فدَلَّ «على أنَّه حديثٌ تُرِك قديمًا ولم يُعمَل به، ولا تَلقَّاه الجمهور بالقَبول على عمومِه، بل تَلقَّوه بالخصوص»، كما يقول ابن عبد البرِّ (¬٦).