ثمَّ أئمَّة العِلَل بعده أجدرَ النَّاس أن يُوَفَّقوا لبيانِ ذلك، وأوْلى أن يُعِلِّوا حديثَها بهذا الانفرادِ المُدَّعى.
بل أنا أقول: إنَّ في نفسِ تفرِقَتِها بين هذين الخبرين وهي تُحدِّث بهما، لأكبرُ دليل على تثبُّتِها ومَزيد عنايتِها وتمييزها لِما تُنميه إلى نبيِّها ﷺ مِن غيرِه!
يبقى إشكال أخيرٌ قد يُشَوَّش به على أذهانِ من يعتقد صحَّة حديثِ فاطمة هذا، وهو: أنَّ عددًا مِن الصَّحابة ﵃ ظَلَّ على اعتقادِ أنَّ ابنَ صيَّادٍ (¬١) هو الدَّجالُ، أو كان يرتابُ فيه على أقلِّ تقدير، حتَّى بعد وفاة النَّبي ﷺ، مع أنَّه قد خُطِب فيهم قبلُ بقصَّة تميم، مِن هؤلاء: ابن مسعود (¬٢)، وأبو سعيد الخدري (¬٣)، وابن عمر (¬٤)، وأختُه حفصة (¬٥)،
وجابر بن عبد الله، وكان يحلِف على ذلك، فلمَّا سُئِل عن حلِفه هذا قال: «إنِّي سمعتُ عمرَ يحلِف على ذلك عند النَّبي ﷺ، فلم يُنكِره النَّبي ﷺ» (¬٦).
فالفَرض في حديث الجسَّاسةِ أن يكون قاطعًا للنِّزاع في ماهيَّة ابن صيَّاد بكونِه غير المَسيح الدَّجال، فإنَّ هذا مَحبوس في جزيرة، فلِم بَقوا على اعتقادِ ذلك فيه؟