فيه شحم خنزير، فتركته، ثم لقيت آخر فقلت: أطمعني. قال: هو زادي لأيام، فإن نقصته أجعتني. فتركته، فوالله إني لأسير؛ إذ سمعت خلفي وجبة كوجبة الطير، فالتفت، فإن هو شيء ملفوف في سبّ (¬١) أبيض، فنزلت إليه، فإذا دوخلة (¬٢) من رطب في زمان ليس في الأرض رطبة، فأكلت منه، ثم لففت ما بقي، وركبت الفرس، وحملت معي نواهُنَّ.
قال جرير بن حازم: فحدثني أوفى بن دلهم، قال: رأيت ذلك السب مع امرأته، فيه مصحف، ثم فُقِدَ بعد (¬٣).
وروى نحوه عوف، عن أبي السليل، عن صلة.
فهذه كرامة ثابتة.
ابن المبارك: حدثنا مسلم بن سعيد، أخبرنا حماد بن جعفر بن زيد، أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي الجيش صلة، فنزلوا، فقلت: لأرمقنَّ عمله. فصلى، ثم اضطجع، فالتمس غفلة الناس، ثم وثب، فدخل غيضة فدخلت، فتوضأ وصلى، ثم جاء أسد حتى دنا منه، فصعدت شجرة، أفتراه التفت إليه حتى سجد؟ فقلت: الآن يفترسه فلا شيء، فجلس، ثم سلَّم، فقال: يا سبع! اطلب الرزق بمكان آخر، فولَّى وإن له زئيرًا أقول؛ تصدع منه الجبل، فلمَّا كان عند الصبح، جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أَوَمثلي يجترئ أن يسألك الجنة؟! (¬٤).
ابن المبارك، عن السري بن يحيى، حدثنا العلاء بن هلال: أن رجلًا قال لصلة: يا أبا الصهباء! رأيت أني أعطيت شهدةً، وأعطيتَ شهدتين. ففال: تستشهد وأنا وابني. فلمَّا كان يوم يزيد بن زياد لقيتهم الترك بسجستان، فانهزموا. وقال صلة: يا بني! ارجع إلى أمك. قال: يا أبه؛ تريد الخير لنفسك وتأمرني بالرجوع! قال: فتقدَّمْ. فتقدَّمَ فقاتل حتى أصيب، فرمى صلة عن جسده، وكان راميًا، حتى تفقوا عنه، وأقبل حتى قام عليه فدعا له، ثم قاتل حتى قُتِلَ.
قلت: وكانت هذه الملحمة سنة اثنتين وستين -رحمهما الله تعالى.