العزلاوين العلياوين، فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا وملأنا كل قربة معنا وكل إداوة. وغسلنا صاحبنا، وهي تكاد تضرج من الماء، ثم قال لنا: "هاتوا ما عندكم". فجمعنا لها من الكسر والتمر، حتى صر لها صرة فقال: "اذهبي فأطعمي عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئا". فلما أتت أهلها قالت: لقد أتيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (¬١) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا. اتفقا عليه (¬٢).
وقال حماد بن سلمة وغيره، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: "إن لا تدركوا الماء تعطشوا". فانطلق سرعان الناس تريد الماء، ولزمت رسول الله ﷺ تلك الليلة، فمالت به راحلته فنعس، فمال فدعمته فادعم ومال، فدعمته فادعم، ثم مال حتى كاد أن ينقلب، فدعمته فانتبه، فقال: "من الرجل"؟ قلت: أبو قتادة. فقال: "حفظك الله بما حفظت به رسول الله"، ثم قال: "لو عرسنا"، فمال إلى شجرة، فنزل فقال: "انظر هل ترى أحدا"؟. فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة. فقال: "احفظوا علينا صلاتنا"، قال: فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس، فانتبهنا فركب رسول الله ﷺ وسار وسرنا هنية، ثم نزلنا، فقال: "أمعكم ماء"؟ قلت: نعم ميضأة فيها شيء من ماء. قال: فأتني بها، فتوضئوا وبقي في الميضأة جرعة، فقال: "ازدهر (¬٣) بها يا أبا قتادة، فإنه سيكون لها شأن"، ثم أذن بلال فصلى الركعتين قبل الفجر، ثم صلى الفجر، ثم ركب وركبنا، فقال بعض لبعض: فرطنا في صلاتنا. فقال رسول الله ﷺ: "ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي". قلنا: فرطنا في صلاتنا. قال: "لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها من الغد لوقتها". ثم قال: "ظنوا بالقوم". فقلنا: إنك قلت بالأمس: "إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا"، فأتى الناس الماء. فقال: "أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم"، فقال بعض القوم: إن رسول الله ﷺ بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، قالا: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم سقط، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا قالها ثلاثا. فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله هلكنا، عطشنا، انقطعت الأعناق. قال: "لا هلك عليكم"، ثم قال: "يا أبا قتادة ائتني بالميضأة". فأتيته بها فقال: "حل لي غمري" -يعني قدحه- فحللته، فجعل يصب فيه ويسقي