وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْتَشِرَ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا، فَقَالَ: " مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، لَأَنْ أُطْلَى بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ ". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ. وَفِيهِ بَعْدَهُ رَدُّ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَحَدِيثُ يَعْلَى الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَالْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهَا مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ، وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ فِي مَنْعِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَوُجُوبِ غَسْلِهِ، وَإِنْقَائِهِ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ: الْكَرَاهَةُ لَا التَّحْرِيمُ.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَبَعْضِ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ، وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا انْتَهَى مِنْهُ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِرْمِهِ، حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، لِحِرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ.