يَقْطَعُ النَّسَبَ إذْ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ لِأَنَّ النَّسَبَ لِلتَّعْرِيفِ وَالشُّهْرَةِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْمَشْهُورِ، وَهُوَ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ، وَقَوْلُهُ كَالْأَبِ يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ لِأَنَّ الْجَدَّ يُسَمَّى أَبًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ يُوسُفَ ﵊ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] وَكَانَ إِسْحَاقُ جَدَّهُ، وَإِبْرَاهِيمُ جَدَّ أَبِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَهُوَ آدَم وَحَوَّاءُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِذَا كَانَ أَبًا دَخَلَ فِي النَّصِّ إمَّا بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَلَدِ فَكَانَ لَهُ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَبِ، وَلَهُ حَالَةٌ رَابِعَةٌ، وَهُوَ السُّقُوطُ بِالْأَبِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَيُدْلِي بِهِ فَلَا يَرِثُ مَعَهُ.
وَإِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ فَيَحْجُبُ الْإِخْوَةَ أَيْ الْجَدُّ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ كَالْأَبِ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى مَا يَجِيءُ بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[أحوال الْأُمّ فِي الْمِيرَاث]
قَالَ ﵀ (وَلِلْأُمِّ) (الثُّلُثُ) وَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ لِمَا تَلَوْنَا، وَعِنْدَ عَدَمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ قَالَ ﵀ (وَمَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لَا) أَيْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ لَا تَرِثُ الثُّلُثَ، وَإِنَّمَا تَرِثُ السُّدُسَ لِمَا تَلَوْنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
فَاسْمُ الْوَلَدِ فِي الْمَتْلُوِّ أَوَّلًا يَتَنَاوَلُ الْوَلَدَ وَوَلَدَ الِابْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى.
وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْإِخْوَةِ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ فَتُحْجَبُ بِهِمَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَا أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ.
لِأَنَّ لَفْظَ الْإِخْوَةِ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ لَمْ تُحْجَبْ الْأُمُّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْإِخْوَةَ جَمْعٌ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ.
وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَمْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُثَنَّى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢].
فَأَعَادَ ضَمِيرَ الْجَمْعِ فِي تَسَوَّرُوا وَدَخَلُوا وَفِي مِنْهُمْ وَقَالُوا عَلَى اثْنَيْنِ، وَهُمَا الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ دَخَلَا عَلَيْهِ فِي صُورَةِ مُتَحَاكِمَيْنِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ ﵀ (وَمَعَ الْأَبِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِهِمَا) فَيَكُونُ لَهَا السُّدُسُ مَعَ الزَّوْجِ وَالْأَبِ وَالرُّبُعُ، مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَبِ.
لِأَنَّهُ هُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَصَارَ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ثُلُثُ الْكُلِّ، وَثُلُثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَالسُّدُسُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكُلَّ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا يَرَى ثُلُثَ الْبَاقِي بَلْ يُوَرِّثُهَا ثُلُثَ الْكُلِّ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، وَخَالَفَ فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى فَرْضَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَالسُّدُسُ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ فَرْضٍ ثَالِثٍ بِالْقِيَاسِ.
وَكَذَا قَالَ ﵊ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» وَالْأُمُّ صَاحِبَةُ فَرْضٍ، وَالْأَبُ عَصَبَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا تَرِثُهُ هِيَ وَالْأَبُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ لَا ثُلُثَ الْكُلِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ ثُلُثُ مَا يَرِثَانِهِ، وَاَلَّذِي يَرِثَانِهِ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْبَاقِي مِنْ فَرْضِهِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَخَذَتْ ثُلُثَ الْكُلِّ يَكُونُ نَصِيبُهَا ضِعْفَ نَصِيبِ الْأَبِ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ نَصِيبِهِ مَعَ الزَّوْجَةِ، وَالنَّصُّ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلَيْهَا بِالضِّعْفِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْوَلَدُ وَالْإِخْوَةُ.
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ مَا أَرَانِي اللَّهُ تَفْضِيلَ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَقَالَ زَيْدٌ ﵁ لَا أُفَضِّلُ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَمُرَادُهُمَا عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْقَرَابَةِ وَالْقُرْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فَلَا يَمْتَنِعُ تَفْضِيلُ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ كَانَ لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْجَمِيعِ فَلَا يُبَالَى بِتَفْضِيلِهَا عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ مِنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ لَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي أَيْضًا مَعَ الْجَدِّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ فَإِنَّهُمَا مَا كَانَا يُفَضِّلَانِ الْأُمَّ عَلَى الْجَدِّ قَالَ ﵀.
[للجدات أحوال فِي الْمِيرَاث]
(وَلِلْجَدَّاتِ، وَإِنْ كَثُرْنَ السُّدُسُ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ جَدٌّ فَاسِدٌ فِي نِسْبَتِهَا إلَى الْمَيِّتِ) وَكُنَّ مُتَحَاذِيَاتٍ فِي الدَّرَجَةِ، وَالْكَلَامُ فِي الْجَدَّاتِ فِي مَوَاضِعَ فِي تَرْتِيبِهِنَّ، وَمَعْرِفَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْفَاسِدَةِ مِنْهُنَّ، وَفِي قَدْرِ مِيرَاثِهِنَّ، وَفِيمَا يَسْقُطْنَ بِهِ فَالْأَوَّلُ كُلُّ شَخْصٍ لَهُ جَدَّتَانِ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ وَلِأَبِيهِ وَأُمِّهِ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُصُولِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى آدَمَ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
هَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ وَفِي بَعْضِهَا السُّدُسُ بَدَلَ لَفْظِ لَا وَفِي بَعْضِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْأَخَوَاتُ لَا أَوْلَادُهُمْ السُّدُسُ اهـ كَتَبَهُ مُصَحِّحُهُ