ثم قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى يعني: لقد رأى جبريل مرة أخرى. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: رأى ربه مرة، فقال: إن الله كلم موسى مرتين، ورأى محمداً مرتين، فبلغ ذلك إلى عائشة ﵂، وعن أبيها، فقالت: قد اقشعر جلدي من هيبة هذا الكلام فقيل لها: يا أم المؤمنين أليس يقول الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى فقالت:
أنا سألت النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: رأيت جبريل نازلاً في الأفق على خلقته، وصورته. ويقال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى يعني: رآه بفؤاده وأكثر المفسرين يقولون: إن المراد به جبريل. يعني:
محمدا ﷺ لما رجع من عند ربه ليلة أسري به، رأى جبريل. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى فقال مقاتل: السدرة هي شجرة طوبى، ولو أن رجلاً ركب نجيبه، وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم، لما وصل إلى المكان الذي ركب منه، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل، وجميع ألوان الثمار. ويقال: هي شجرة غير شجرة طوبى، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة، تخرج أنهار الجنة من أصل تلك الشجرة. وإنما سميت سِدْرَةِ الْمُنْتَهى لأن أرواح المؤمنين تنتهي إليها. ويقال: أرواح الشهداء تنتهي إليها. ويقال: الملائكة ينتهون إليها، ولا يجاوزنها. ويقال: لأنه علم كل واحد ينتهي إليها، ولا يتجاوزنها، ولا يدري ما فوق ذلك.
وروي عن طلحة بن مطرف، عن مرة، عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما عرف من تحتها، وإليها ينتهي ما هبط من فوقها، وهي النهاية التي ينتهي إليها من فوق، ومن تحت، ولا يتجاوز عن ذلك.
ثم قال ﷿: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى وإنما سميت المأوى لأنه يأوي إليها أرواح الشهداء. قرأ سعد بن أبي وقاص، وعائشة ﵄: جَنَّةُ الْمَأْوى بالتاء. وقيل لسعد: إن فلاناً يقرأ عندها جَنَّةُ الْمَأْوى بالهاء. قال سعد: ما له أجنه الله. وعن أبي العالية قال: سألني ابن عباس: كيف تقرأها يا أبي العالية؟ قال: قلت له جنة. قال: صدقت هي مثل قوله: جَنَّاتُ الْمَأْوى. وقراءة العامة جَنَّةُ وهي من جنات.
ثم قال: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى يعني: يغشاها من الملائكة ما يغشى. وروي عن النبيّ ﷺ أنه سئل ماذا يغشى؟ قال: جراد من ذهب. ويقال: فراش من ذهب. وقال الحسن:
يغشاها نور مثل الجراد من ذهب.
ثم قال: مَا زاغَ الْبَصَرُ يعني: ما مال، وما عدل بصر محمد ﷺ عما رأى وَما طَغى وما تعدى، وما جاوز إلى غيره. ويقال: وَما طَغى يعني: وما ظلم صدق محمد ﷺ فيما رأى تلك الليلة التي عرج به إلى السماء لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وهو الرفرف الأخضر، قد غطى الأفق، فجلس عليه رسول الله ﷺ عليه وجاوز سدرة المنتهى.
وقال ابن مسعود: رأى جبريل وله ستمائة جناح، وهم مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى وذلك أن