وأما قولُه: "أدْحَرُ". فمعناه أبعدُ من الخيرِ وأهونُ، والأدْحَرُ: المطرُودُ المُبعَدُ من الخير المُهان، يقال: ادْحَرْه عنك؛ أي: اطْرُدْه وأبْعِدْه.
وأمّا قولُه: "يَزَعُ الملائكة". فقال أهلُ اللُّغة: معنى يَزَعُ: يَكُفُّ ويَمنَعُ. إلّا أنّها هاهُنا بمعنى يُعبِّئُهم ويُرتِّبُهم للقتالِ ويَصُفُّهم، وفيه معنَى الكَفِّ؛ لأنَّه يَمْنَعُهم عن الكلام (¬١) من أنْ يَشِفَّ بعضُهم على بعض (¬٢)، ويخرُجَ بعضُهم عن بعضٍ في التَّرتيب.
قالوا: ومنه قولُ اللَّه ﷿: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. وقد تَكْني العربُ بهذه اللفظةِ عن الموعظة؛ لِما فيها من معنى الكفِّ والمنع والرَّدع والزَّجر، قال النابغةُ الذبيانيُّ (¬٣):
على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا ... وقلتُ ألمَّا أصْحُ والشَّيْبُ وازعُ
وقال لَبيدٌ العامريُّ (¬٤):
إذا المرءُ أسرَى ليلةً ظنَّ أنَّهُ ... قضَى عمَلًا والمرءُ ما عاشَ عاملُ
فقُولا له إنْ كان يَعقِلُ أمْرَهُ ... ألمَّا يَزَعْكَ الدَّهْرُ أُمُّكَ هابِلُ