ولو طلَّقَها لعِدَّتِها في طُهْرٍ لم يَمَسَّها فيه: لم يُكرَه لهُ ذلك، ألا ترى إلى قولِهِ في هذا الحديثِ: "ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ"؟ وهذا غايَةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ وردَ بإباحةِ الطَّلاقِ، وطلَّق رسُولُ الله ﷺ بعضَ نِسائه (¬١). وهُو أمرٌ لا خِلافَ فيه.
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحيضِ مكرُوهٌ، وفاعِلُهُ عاصٍ لله ﷿ إذا كان عالِمًا بالنَّهيِ عنهُ.
والدَّليلُ على أنَّهُ مكرُوهٌ، وإن كان شيئًا لا خِلافَ فيه أيضًا والحمدُ لله: تَغَيُّظُ رسُولِ الله ﷺ على ابن عُمرَ، حينَ طلَّق امرأتهُ حائضًا.
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (¬٢): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، قال: حدَّثنا يونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن أبيهِ: أنَّهُ طلَّقَ امرأتهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عُمرُ لرسُولِ الله ﷺ، فتغيَّظَ رسُولُ الله، ثُمَّ قال: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ ليُمسِكْها حتّى تَطْهُر، ثُمَّ تحيضَ فتطهُرَ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقها طاهِرًا قبلَ أن يَمَسَّها، فذلكَ الطَّلاقُ للعِدَّةِ، كما أمرَهُ الله".
وفيه: أنَّ الطَّلاقَ في الحَيْضِ لازِمٌ لمن أوْقَعهُ، وإن كان فاعِلُهُ قد فعلَ ما كُرِهَ لهُ، إذ تركَ وجهَ الطَّلاقِ وسُنَّتهُ.