صاحب الرملة ومَن في الحصون الساحلية إلى مصر، وكانت الرومُ قد أخذتها من اليونان على ما ذكرنا في صدر الكتابِ (¬١). فجهّز عمر عَمرو بنَ العاص، وأردفه الزبير معاونًا له، ولما وصل عمر إلى القُدس خرجَ الرهبان والأقِساءُ والشمامسة والأكابرُ، ودخلوا بين يديه، فأتى محراب داود ﵇ فصلى فيه، وقرأ سورة "ص" وسجد، وسأل عن الصخرةِ فلم ير لها أثرًا. كانت الروم أو اليهودُ قد ألقت عليها الكُناسة، وكان معه كعب الأحبار فقال له: أين الصخرةُ؟ فقال: اذْرَع من الحائط الشرقي كذا وكذا ذراعًا، فذرع فبدت الصخرة، فنظَّفها، وأراد أن يجعل المحرابَ فيها، فقيل له: يضيقُ المسجد بالناس، فوضعه في آخر الحرمِ عند مهد عيسى ﵇، وصلى عمرُ فيه وعاد إلى الجابية، ثم عاد إلى المدينة.
فصل: وفيها فرض عمر الأُعطية للمسلمين على قَدر السوابق في الإِسلام، ودوَّن الدواوين، وقد اختلفوا في ذلك؛ فقال ابن الكلبي: فعل ذلك في هذه السنةِ. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي أنه فعل ذلك في سنةِ عشرين (¬٢). وقولُ الكلبيّ أصحُّ.
وكان رضوان اللَّه عليه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ رضوان اللَّه عليه: تقسم كلَّ سنة ما اجتمع عندك من مال، ولا تُمسك منه شيئًا، وقال عمار رضوان اللَّه عليه (¬٣): أرى مالًا كثيرًا يسع الناس وإن لم يُحصوا، حتى تعرف من يأخذ ممن لم يأخذ، خشية أن ينتشر الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين، إني جئتُ الشام، فرأيت ملوكها يُدوِّنون ديوانًا، ويجنّدون جنودًا، فأخذ بقوله، فدعا عَقيل بن أبي طالب ومَخرمة بن نوفل وجُبير بن مُطعِم، وكانوا من نُسَّاب قريش فقال: اكتبوا للناس على منازلهم، فبدؤوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم بني تميم أَبا بكر رضوان اللَّه عليه وقومَه، فنظر فيه عمر ﵁ فقال: ابدؤوا بقرابة رسول اللَّه ﷺ، الأقرب فالأقرب، حتى تَضعوا عمر حيث وضعه اللَّه، فجاءت بنو عدي إليه فقالوا: أنت خليفةُ أبي بكر، وأبو بكر خليفةُ رسول اللَّه ﷺ قال: وعلى ذلك؟! قالوا: فلو