قال هشام: كان الحَرَشيّ قد اطَّرحَ جانبَ ابنِ هُبيرة واستَخَفَّ به، وكان رسولُ ابنِ هُبيرة إذا قدم على الحَرَشيّ يقول له: كيف أبو المُثَنَّى، ويكتب إليه: من سعيد إلى أبي المثنَّى. فقال ابنُ هُبيرة لجميل بن عمران (¬١): قد بلغني عن الحَرَشيّ أشياءُ، فاذهَبْ إلى خُراسان وحقِّق بما قيل لي. فخرج جميل (¬٢) على وجه كأنَّه ينظر في الدواوين، فقيل له: ما قدم إلا ليكشف أخبارك.
فأرسلَ إليه الحَرَشيّ بِبِطِّيخةٍ مسمومة، فأكلها، فمرض، وتساقطَ شعرُه، وأشرفَ على الموت، فتحاملَ وعادَ إلى ابنِ هُبيرة، فقال: ما وراءَك؟ فقال الأمرُ أعظمُ مما بلغَك، ما يعدُّك الحَرَشيُّ إلا من بعض عماله.
فأرسل ابنُ هُبيرة مسلمَ بنَ سعيد الكلابي إلى خُراسان واليًا، فقبض على الحَرَشيّ، وعذَّبه، ونَفَخَ في بطنه النمل (¬٣)، واستقضى أمواله. وكان الحَرَشيُّ يقول: لو طَلَبَ منّي ابنُ هُبيرة درهمًا يصعُه في عينه ما أعطيتُه. فلما ذاقَ العذابَ أقرَّ بالأموال، فقال أُذَينة ابن كُلَيب:
تَصَبَّرْ أبا يحيى فقد كنت - عِلْمَنَا - … صبورًا ونهَّاضًا بثِقْلِ المغارمِ (¬٤)
وقال الهيثم: عزل ابنُ هُبيرة سعيد الحَرشيَّ، وجعله في الحصن (¬٥)، فلمَّا وَلِيَ خالدُ بنُ عبد الله القَسْريّ العواق أطلق الحَرَشيَّ وأكرمه، فلما هرب ابنُ هُبيرة من حبس خالد القَسْري أرسَل الحَرَشيّ خلفَه، فلم يدركه.
وقال الطبري: أدرك الحَرَشيّ ابنَ هُبيرة في الفرات وهو في سفينة، وغلام قائم على صدرها، فقال الحَرَشيّ: أفي السفينة أبو المثنَّى؟ قال: نعم. فخرج إليه ابن هُبيرة، فقال الحَرَشيّ: يا أبا المثنَّى، ما ظنُّكْ بي؟ قال: إنك لا تدفعُ رجلًا من قومك إلى