أُعاشِرُ قومًا لستُ أُخبِرُ بعضَهم … بأسرار بعضٍ إنَّ صدري لَواسعُ
فقال له هشام: أنتَ -واللهِ- كذلك (¬١).
و [قال أبو القاسم ابن عساكر:] عاش الأبرش إلى أيام [أبي جعفر] المنصور، [فحكى محمَّد بن سلَّام قال:] حدا الأبرش بالمنصور في طريق الحج فقال:
أغرُّ بين حاجبيه نورُهُ … إذا توارى وبه ستورُهُ
فأعطاه المنصور درهمًا، فقال له: يَا أمير المُؤْمنين، لقد حَدَوْتُ هشامًا بهذا [البيت] فأعطاني عَشَرَةَ آلاف درهم، فقال: يَا ربيع، طالِبْهُ بها، فإنَّ هشامًا أخذه من غير حِلِّهِ وأعطاه لمن لا يستحقُّه، فلم يزل أهل الدولة يشفعون له حتَّى أخذ المنصور منه الدرهم وخلَّاه (¬٢).
وقال هشام يومًا لجلسائه: كم أكثرُ [ما] ضَمَّتْ عليه الحَلَبَةُ من الخيل في الجاهلية والإِسلام؟ قالوا: ألفُ فرس. فأقام هشام أربعة آلاف فرس، وبرز إلى الدَّهناء -وهي صحراء الرُّصافة- وأطلق الخيل، فقال حفص الأُمويُّ الشَّاعر:
إنَّ الجوادَ السابقَ الإمامُ … خليفةُ اللهِ الرِّضى الهُمامُ
أنجبَه (¬٣) السَّوابقُ الكرامُ … من منْجِباتٍ ما بهنَّ ذَامُ
إنَّ هشامًا جدُّه هشامُ … جرى به الأخوالُ والأعمامُ
وأحرز المجدَ الذي أقاموا … في حَلْبةٍ تَمَّ لها التَّمامُ
من آلِ فِهْرٍ وهمُ السَّنَامُ … سُبَّاقُ غاياتٍ لها ضِرامُ
من أبيات.
فأعطاه هشام مالًا وثيابًا وخيلًا. ولا تُعلم حَلْبَةٌ أُقيمت بمثل هذه (¬٤).
وكان حفصٌ هجَّاءً لبني هاشم، مادحًا لبني أمية، فلما ظهر عبد الله بن عليّ، أباح دمَه، فهرب، وطال عليه الأمر، وضاقت به الحيل، فجاء إلى مجلس عبد الله، فقال: