ولما دُفن محمد بن سليمان خرجت جاريةٌ من جواريه، فوقفت على قبره وقالت: [من الكامل]
أمسى التراب لمن هَوِيتُ مَبِيتا … الْقَ الترابَ وقل له حُيِّيتَا
إنَّا نحبُّك يا ترابُ وما بنا … إلَّا كرامةُ من عليه حُثِيتَا (¬١)
وقد أخرج الخطيبُ له حديثًا قال محمد بن سليمان: حدَّثني أبي، عن جدِّي الأكبر، يعني عبد الله بن عباس، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "امسحْ على رأسِ اليتيم هكذا؛ إلى مُقَدَّمِ رأسِه، ومن له أبٌ؛ هكذا إلى مؤخَّر رأسِه" (¬٢).
هيلانة جاريةُ الرشيد
كان شديد الحبِّ لها، وكانت قبلَه ليحيى بن خالد، وكان الرشيد قبل الخلافة يَمضي إلى دار يحيى، فلقيَتْهُ في ممرٍّ، فأخذت بكمِّه وقالت: ما لنا فيك نصيب؟ قال: وكيف السبيل إليك؟ قالت: تأخذُني من هذا الشيخ، فطلبها من يحيى، فوهبَها له، فغلبت عليه، وأقامت عنده ثلاث سنين، ثم ماتت، فوجدَ عليها وجدًا شديدًا، وقال فيها: [من السريع]
قد قلت لَمَّا ضمَّنوك الثرى … وجالت الحسرةُ في صدرِي
اذهبْ فلا والله لا سرَّني … بعدَك شيءٌ آخرَ الدهرِ
وقال العباس بن الأحنف يرثيها: [من الكامل]
يا مَنْ تباشَرت القبورُ بموتها … قَصَدَ الزمانُ مَساءتي فرماكِ
أبغي الأنيسَ فلا أرى لي مُؤنسًا … إلَّا التردُّدَ حيث كنتُ أراكِ
مَلِكٌ بكاكِ وطال بعدكِ حزنُه … لو يستطيع بملكِه لفداكِ
يحمي الفؤادَ عن النساءِ حفيظةً … كيلا يحُلَّ حمى الفؤادِ سواكِ
فأعطاه الرشيد أربعين ألفًا، وقال: لو زدتَ لزدناك، يعني عن كلِّ بيتٍ عشرةَ آلاف درهم (¬٣).