فقلت لها: يا جارية، أَعيدي عليَّ شِعرَك، فقالت: أسمعتَ ذلك مني؟ فأعدتُ (¬١) شِعرها عن آخره، فقامت تنفض ثيابَها وتقول: إنْ كان حقًّا في عبادك أصمعيٌّ فهو هذا.
ومررتُ بأعرابيَّة عند قبرٍ وهي تقول: [من الطويل]
فإن تسألاني فيمَ حُزْني فإنَّني … رهينةُ هذا القبر يا فتيانِ
عزيز عليَّ أن أراه كما ترى … عزيزٌ عليه بعضُ ما تريان
وإني لأستحييه والتُّرب بيننا … كما كنتُ أستحييه وهو يراني (¬٢)
وقال الأصمعيّ: وقع طاعونٌ بالبصرة، فخرج رجلٌ من أهلها على حمارٍ ومعه أهلُه وولدُه، وخلفه عبدٌ حبشيٌّ يمشي ويسوق الحمارَ ويرتجز:
لن يُسبقَ اللهُ على حمارِ … ولا على ذي مَيعةٍ مُطَارِ (¬٣)
قد يصبح اللهُ أمامَ الساري
فلما سمع الرجل قولَ العبد، رجع بأهله وولدِه.
وركب الأصمعيُّ يومًا حمارًا دميمًا، فقيل له: بعد مراكبِ الخلفاءِ تركب هذا! فقال متمثِّلًا: [من الطويل]
ولمّا أبتْ إلَّا انصرافًا (¬٤) بودِّها (¬٥) … وتكديرِها الشِّربَ الذي كان صافيا (¬٦)
شَرِبنا برَنْقٍ (¬٧) من هواها مكدَّرٍ … وليس يَعاف الرَّنْقَ من كان صاديا
ثم قال: ركوبُ هذا مع سلامة ديني أحبُّ إليَّ من ركوب تلك وتذهب آخرتي.