سَقَى العلمُ الفردُ الذي في ظلاله … غزالانِ مكِّيَّانِ (¬١) مؤتَلِفَانِ
إذا أَمِنَا التفّا بجيدَي تواصلٍ … فطرفَاهما للغيبِ (¬٢) مسترقانِ
ثم تنفَّس فظننتُ نَفْسَه تخرج، فقلت: ما الرأي بك (¬٣)؟ فقال: من وراء هذين الجبلين شجنٌ قد حيل بيني وبينه، ونذروا دمي، فأنا أتمتعُ بالنظر إلى هذين تعلُّلًا بهما، فقلت: زدني، فقال: [من الطويل]
إذا ما وَرَدْتَ الماءَ في بعضِ أهله … حَضورُ فعرِّضْ بي كأنَّك مازحُ
فإنْ سَأَلَتْ عنِّي حَضورُ فقل لها … به غِيَرٌ مِنْ دائِه وهو صالحُ
فعجبَ الواثق وأمرني أن ألحِّن الأبيات (¬٤)، فغنَّيتُ بها بين يديه، فأمر لي بستين ألفًا، ثم قال: قد قضيتُ حوائجك وما أفكرتَ في السبب! قلت: وما هو؟ قال: الأعرابيُّ، ولم تسألني معونته، وقد كتبتُ إلى والي الحجاز بأنْ يزوِّجَهُ المرأة، ويسوق إليها صداقَها، وأمرتُ له بمالٍ، فقبَّلت يدَه وقلتُ: من يسبقكَ إلى المكارم وأنت سيِّدُها ومولاها.
وقال الخطيبُ: كان الواثقُ مغرى بأكلِ الباذنجان، فكانَ يأكلُ في ساعةٍ منه أربعين باذنجانة، فقال له أبوه: يا بني مَنْ رأيتَ خليفةً أعمى؟ ففهم فقال: يا أميرَ المؤمنين قد تصدَّقتُ بعيني على الباذنجان (¬٥).
وقال الصوليُّ: أهدي إلى الواثق غلامٌ، فأغضَبَه الواثقُ يومًا، فسمعه يقولُ لبعض الخدم: والله إنَّ أمير المؤمنين ليروم منذ أمس أنْ أكلِّمَه، فلم أفعل، قال الواثق: [من البسيط]
يا ذا الذي بعذابي ظلَّ مفتخرا … ما أنتَ إلا مليكٌ جارَ إذ قَدَرَا
لولَا الهوى لتجارينَا على قدرٍ … وإنْ أَفِقْ منه يومًا ما فسوفَ ترَى (¬٦)