أمر محمدٌ جاريتَه فيوسة (¬١) فغنَّت: [من الطويل]
ولستُ بناسٍ إذ غدَوا فتحمَّلوا … دُموعي على الخدَّين من شدَّةِ الوجدِ
وقَولي وقد سارت سُحَيرًا حُمُولهم … بأمِّ الثنايا لا تكن آخرَ العهدِ (¬٢)
فبكى ماني بكاءً شديدًا، ثم قال لمحمد: أتأذنُ لي يا سيدي؟ قال: نعم، فأطرقَ ساعةً ثمَّ رفع رأسَه وقال:
وعدتُ أناجي الفكرَ والدمعُ حائرٌ … بمقلةِ موقوفٍ على الضَّرِّ والجَهْدِ
ولم يعدُ هذا الأمر إلَّا بعزِّهِ … على ظلامٍ لجَّ في الهجرِ والبعدِ (¬٣)
فقال له محمَّد: أحسنتَ يا ماني، أعاشقٌ أنت؟ فخجل وقال: يا سيدي، أبعدَ الشيب صبوة، وإنَّما حرَّك الطربُ وجدًا كامنًا وشوقًا مبرِّحًا، ثم غنَت الجاريةُ شعر أبي العتاهية: [من الخفيف]
حجبوها عن الرياح لأنِّي … قلتُ للريحِ بلِّغيهَا السلاما
لو رَضُوا بالحجاب هانَ ولكن … منعوهَا يومَ الرياح الكلاما (¬٤)
فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زادَ فيه:
فتنفَّستُ ثمَّ قلتُ لقلبي (¬٥) … آهِ إن زار طيفُها إلماما (¬٦)
حيِّها بالسلامِ سرًّا وإلَّا … منعوهَا لشقوتي أنْ تناما