وقال وصيف خادمُه: سمعتُه يقول عند موته: [من الطَّويل]
تمتَّع من الدُّنيا فإنَّك لا تبقى … وخُذْ صَفْوها ما إنْ صَفَتْ ودَعِ الرَّنْقَا
ولا تأمَنَنَّ الدَّهرَ إنِّي أمِنتُه … فلم يُبْقِ لي حالًا ولم يَرع لي حَقّا
قتلتُ صَناديدَ الرِّجال فلم أدَعْ … عَدوًّا ولم أُمهِلْ على ظِنَّةٍ خَلْقا
وأخليتُ دور المُلْك من كلِّ بازِلٍ … وشَتَّتهم غربًا ومزَّقْتُهم شَرْقًا
فلما بلغتُ النَّجمَ عِزًّا ورِفعةً … ودانت رقابُ الخلقِ أجمع لي رِقَّا
رماني الرَّدى سَهْمًا فأخْمَد جَمْرتي … فها أنا ذا في حُفرتي عاجلًا مُلْقى
فأفسَدْتُ دُنياي وديني سَفاهةً … فمَنْ ذا الذي منِّي بمَصْرَعِه أَشْقى
فيا ليت شِعري بعد موتيَ ما أرى … إلى نعمةٍ لله أم ناره ألقى
وكانت سنه يوم مات سبعًا وأربعين سنة، وقيل: خمسًا أو ستًّا وأربعين سنة وأشهرًا وأيامًا، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل: ويومين، وقيل: وخمسة أيام، وقيل: عشر سنين وتسعة أشهر.
ورثاه عبد الله بن المعتز (¬١) فقال: [من البسيط]
أستغفر الله هذا كلُّه قَدَرٌ … رَضيتُ بالله ربًّا واحدًا صَمدا
يَا ساكنَ القبر في غَبْراءَ مُظلمةٍ … بالطَّاهرية نائي الدَّارِ مُنْفَردا
أين الجيوشُ التي قد كنتَ تَصْحَبها … أين الكنوزُ التي أحصيتَها عَددا
أين السَّرير الذي قد كنتَ تملؤه … مَهابةً مَن رأتْه عينُه ارتَعدا
أين الأعادي الأُلَى ذلَّلْتَ صَعْبَهمُ … أين اللُّيوثُ التي صيَّرتَها نَقَدا (¬٢)
أين الوفودُ على الأبواب عاكفةً … يَرجون فَضْلَكَ ما يأتي وما اطَّردا
أين الجيادُ التي حجَّلْتَها بدمٍ … وكنَّ يَحمِلْنَ منك الضَّيغَمَ الأسدا