يا أخا الفَضلِ لِمْ تَأَخَّرْتَ عَنَّا … فأَسَأْنا بحُسْنِ عَهْدِك ظَنَّا
كم تمنيت لي صديقًا صَدُوقًا … فإذا أنتَ ذلك المُتَمَنَّا
فبغُصنِ الشَّبابِ لمَّا تثنَّى … وبعهد الصِّبا وإنْ بانَ عَنَّا
كُنْ جوابي إذا قرأتَ كتابي … لا تَقْلُ للرَّسولِ كان وكُنَّا (¬١)
[ذكر واقعته مع ابن القُدُوري] (¬٢):
قدم على العزيز في أيام السُّلْطان محمود -وهو حينئذٍ متولِّي ديوان الاستيفاء- رجلٌ يعرف بابنِ القدوري من أهل الشَّام، فمدحه بقصيدةِ ابنِ الخَيَّاط التي [قالها في مدح أبي النجم هبة الله بن بديع الأصبهاني وزير تاج الدولة تتش، وكان ابنُ الخَيَّاط قد سافر مع الوزير من دمشق إلى العراق، وورد الرَّي، والقصيدة طويلة، وأولها: [من الطويل]
أيا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلا على ظُلْمي … ويا حبُّ ما أَبْقَيتَ منِّي سوى الوَهْمِ
وقد ذكرناها في ترجمة ابنِ الخياط في سنة سبع عشرة (¬٣) وخمس مئة، فلما حضر القُدُوري بين يدي العزيز امتدحه بها، وأنشده إياها، فاهَتزَّ] (¬٤) العزيز لأَوَّلها، فلما بلغ إلى المخلص وقد غَيَّره بأبياتٍ ضعيفةٍ [ركيكة] (٥)، أطرقَ العزيز [ساعة] (٥)، ثم قام ودخل، واستدعاه [وأدناه منه] (٥)، وقال له: اصدُقني، لِمَنْ هذا الشِّعْر، وسوف ترى ما أفعل معك؟ فقال له: يا سيدي، والله ما أنا شاعر، وإنما جار عليَّ الزَّمان وافتقرت، فَقَصَدْتُك طالبًا إحسانَك، والقصيدُ لابنِ الخَيَّاط. فاصفَرَّ لونُ العزيز، وقال له: طِبْ نَفْسًا وقَرَّ عَينًا. ودَفَعَ إليه مئةَ دينار، وثوبًا أَطْلَس، وعِمامةَ قَصَب، ونوَّه بذكره في المجالس [والمحافل] (¬٥). وقال: شاعِرٌ مجيد. فأثرى الرجل بعد فَقْرٍ، واستغنى.