انتهى إليه عِلْم النَّحْو والعربية ببغداد، وسمع الحديث، وطال عُمُره، وتمتَّع بجوارحه وعقله، وقال: ما سَمِعْتُ في المَدْح أبلغ من شعر أبي فراس بن حَمْدان: [من الكامل]
وأمامك الأعداءُ تَطْلبُهُمْ … ووراءَكَ القُصَّادُ في الطَّلَب
فإذا سَلَبْتَهُمُ وَقَفْتَ لهم … فَسُلِبْتَ ما تحوي من السَّلَبِ (¬١)
وما سمعتُ في الذَّمِّ أبلغ [من بيتٍ لمسكويه] (¬٢): [من الطويل]
وما أنا إلَّا المِسْكُ ضاعَ وعندكم … يضيعُ وعند الأكرمينَ يَضُوعُ
السنة الثَّالثة والأربعون وخمس مئة
فيها فارق جماعةٌ من الأُمراء السُّلْطان مسعود، وكان على هَمَذَان، بسبب صبيٍّ كان عنده يقال له خاصبك بن البلنكري (¬٣) كان قد استولى عليه، وقصدوا بغداد، ومعهم محمد شاه بن محمود، وهم: البقش وألدكز وقيصر وألطرنطاي وعليّ بن دُبَيس وغيرهم، ونزلوا شَهْرابان (¬٤)، فانهزم النَّاس من بين أيديهم، وقُطِعَ الجسر ببغداد، [يقال: إنَّ شحنة مسعود ببغداد قطع الجسر] (¬٥)، وكان الغزنوي الواعظ قد تولَّى عمله، وعَمِلَ له درابزينات من الجانبين، فبعث الخليفةُ ابنَ العَبَّادي الواعظ إليهم، يقول: أميرُ المؤمنين يقول لكم في أي شيء جئتم؟ وما مقصودكم؟ فإنَّ النَّاسَ قد انزعجوا بسبب مجيئكم. فقالوا: نحن عبيد هذه العتبة الشريفة، وعبيد السُّلْطان ومماليكه، وما فارقناه إلّا خوفًا من خاصبك، فإنه أفنى الأُمراء؛ قَتَلَ عبدَ الرحمن بن طُغايرك (¬٦) وعَبَّاسًا وبوزبا، وعدُّوا جماعة، وما عنِ النُّفوس عِوَض، فإمَّا نحن وإمَّا هو، فإنَّه هو الذي يحمل السُّلْطان على قَتْلنا، وما نحن خوارج ولا عصاة.