الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة/ ٢٥٧]. فوحَّد النورَ الذي هو سبيلُه، وجمع الظلمات التي هي سُبُل الشيطان (¬١).
ومن فهم هذا فَهِمَ السرَّ في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام/ ١]، مع أنَّ فيه سرًّا ألطفَ من هذا، يعرفه من عرف (¬٢) منبع النور كلّه (¬٣)، ومن أين فاضَ، وعمَّاذا حصل، وأنَّ أصلَه كله واحد. وأمَّا الظلمات فهي متعددة بتعدُّدِ الحُجُب المقتضية لها، وهي كثيرةٌ جدًّا، لكلِّ حجاب ظلمة خاصَّة. ولا ترجع الظلماتُ إلى النورِ الهادي ﷻ أصلًا، لا وصفًا ولا ذاتًا، ولا اسمًا ولا فعلًا، وإنَّما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعلُ الظلمات، ومفعولاتُه (¬٤) متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنَّه يرجع إلى اسمه وصفته ﷻ، تعالى أن يكون كمثله شيءٌ، فهو (¬٥) نور السماواتِ والأرضِ.
قال ابن مسعود: "ليس عندَ ربِّكم ليلٌ ولا نهار، نور السماوات والأرضِ من نور وجهه". ذكره الدارمي عنه (¬٦). وفي صحيح مسلم (¬٧) عن أبي ذرٍّ، قلتُ: يا رسول اللَّه هل رأيت ربَّك؟ قال: "نورٌ، أنَّى أراهُ! ".