٨٥٦ - (خ م ت س) ابن عباس ﵄: قال: لم أزلْ حَريصاً على أنْ أسْأَلَ عُمرَ بنَ الخطابِ عن المرأتينِ من أزواج النبيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قال الله ﷿: ﴿إِنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ (١) حتى حَجَّ عمرُ، وحَجَجْتُ مَعهُ، فلما كان بِبعضِ الطريقِ عَدَلَ عمرُ، وعَدَلْتُ ⦗٤٠١⦘ مَعهُ بالإِدَاوِة، فَتَبَرَّزَ ثمَّ أتاني، فسكبتُ على يَدَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، مَنِ المرأتانِ من أزواجِ النبيِّ ﷺ اللَّتانِ قال الله ﷿: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّه فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ ؟ فقال عمرُ: واعجباً لكَ يا ابْن العباس! قال الزهريُّ: كَرِهَ واللهِ ما سأله عَنْهُ ولم يكْتُمْه، فقال: هُما عائشَةُ وحفْصَةُ، ثم أخَذَ يسُوقُ الحديثَ - قال: كُنَّا معْشَرَ قُرَيْش قَوْماً نَغْلِبُ النِّساءَ، فلمَّا قَدِمْنا المدينَةَ، وجدْنا قوماً تغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِساؤُنا يتَعَلَّمْنَ من نِسائِهِمْ، قال: وكان مَنْزِلي في بني أُمَيَّةَ بن زيْدٍ بالعَوَالي، فَتَغَضَّبْتُ يوماً على امْرَأَتِي، فإِذا هي تُراجِعُني، فأنكَرْتُ أنْ تُراجِعَني، فقالت: ما تُنْكِرُ أنْ أُراجعَك، فو اللهِ، إِن أزْواجَ النبي ﷺ لُيرَاجِعْنَهُ، وتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إلى اللَّيْلِ، فانْطَلَقْتُ، فدَخلْتُ على حَفْصَةَ، فَقُلتُ: أتُراجِعِينَ رسولَ اللهِ ﷺ؟ فقالت: نعم، فقلتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْداكُنَّ الْيَوْمَ إلى اللَّيْلِ؟ قالت: نعم، قُلْتُ: قَدْ خابَ مَنْ فَعَلَ ذلك مِنْكُنَّ وخَسِرَتْ، أفَتَأَْمَنُ إِحْداكُنَّ أنْ يغْضَبَ اللهُ عليها لِغَضَبِ رسولِ الله ﷺ؟ فإِذا هيَ هَلَكَتْ، لا تُراجعي رسولَ الله، ولا تسْأَليه شَيْئاً، وسَلينيِ ما بَدَالك، ولا يغُرَّنَّكِ أنْ كانت جارَتُكِ هي أوْسَمُ (٢) وأحبُّ إلى رسول الله ﷺ منكِ - يريِد عائشَةَ - وكان لي جارٌ من الأنصار، فكُنَّا نتَنَاوَبُ النزولَ إلى رَسُولِ الله ﷺ، فينزلُ يوماً، وأَنزِلُ يوماً، فيَأْتِيني بِخَبَرِ ⦗٤٠٢⦘ الوَحْيِ وغيره، وآتِيهِ بِمثِلِ ذلك وكُنَّا نتحدثُ: أنَّ غسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُونَا، فَنزَلَ صاحبي، ثُمَّ أتَانِي عِشاء، فضَرَبَ بابِي، ثم ناداني، فخرجتُ إليه، فقال: حَدَثَ أمْرٌ عظيمٌ، فقلتُ: ماذا؟ جاءتْ غَسَّانُ؟ قال: لا، بلْ أعظمُ من ذَلِكَ وأهْوَلُ، طَلَّقَ رسولُ الله ﷺ نساءهُ، قلتُ: وقد خَابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ، وقد كُنْتُ أَظُنُّ هذا يُوشكُ أن يكونَ، حتى إذا صَلَّيْتُ الصبحَ شَدَدْتُ عليَّ ثيابي، ثم نزلتُ، فدخلتُ على حَفْصَةَ، وهي تبكي، فقلتُ: أطَلَّقكُنَّ رسولُ الله ﷺ؟ قالت: لا أَدري، هو هذا مُعْتَزِلٌ في هذه المشرُبةِ، فأتيتُ غلاماً له أسودَ، فقلت: اسْتأذِنْ لعمر، فدخلَ ثم خرج إليَّ، قال: قد ذكرتكَ له فَصَمَتَ، فانطلقتُ حتى إذا أتيتُ المنبرَ، فإذا عنده رهْطٌ جلوسٌ، يبكي بعضُهم، فجلستُ قليلاً، ثم غلبني ما أجِدُ، فأتيتُ الغلامَ، فقلتُ: استأذنْ لعمرَ، فدخلَ ثم خرجَ إليَّ، فقال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فخرجتُ فجلستُ إلى المنبر، ثم غلبني ما أجدُ، فأتيتُ الغلامَ، فقلتُ: استأذنْ لعمرَ، فدخلَ ثم خرجَ فقال: قد ذكرْتُكَ له فصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِراً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت، فسلمت على رسول الله ﷺ، فإذا هو مُتِّكىءٌ على رِمَالِ حَصِيرٍ، قد أثَّرَ في جنبِه، فقلتُ: أطلَّقتَ يا رسولَ اللهِ نِساءكَ؟ فرفع رأسه إليَّ، فقال: لا، فقلت: الله أكبر، لو رأيتَنا يا رسولَ الله، وكُنَّا معشر قريشٍ نغلِبُ النساء، فلمَّا قَدِمْنا المدينَةَ وجدْنا قوماً تغْلِبُهُمْ نِساؤُهُمْ، فطفِقَ نساؤنا يتعلَّمْنَ من نسائهم، فتغضَّبْتُ على امرأَتي يوْماً، فإذا هي ⦗٤٠٣⦘ تراجعُني، فأنكرتُ أن تَراجعني، فقالت: ما تُنكرُ أن أُراجعَكَ؟ فو اللهِ إنَّ أزواجَ رسولِ الله لَيُرَاجِعْنَهُ، وتَهْجُرُهُ إِحداهنَّ اليومَ إِلى الليلِ، فقْلتُ: قد خابَ مَنْ فعلَ ذلكَ منهنَّ وخسِرَ، أَفتأْمَنُ إِحداهنَّ أنْ يَغْضبَ اللهُ عليها لِغضبِ رسولِ الله، فإِذا هِيَ قَدْ هلكت؟ فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله، قد دَخَلْتُ على حفصةَ فقلتُ: لا يغُرَّنَّكِ أَنْ كانت جارتُكِ هي أوسمُ وأَحبُّ إِلى رسولِ الله ﷺ منكِ، فتبسَّم أُخرى. فقلتُ: استأنِس يا رسولَ الله؟ قال: نعم، فجلستُ، فرفعتُ رأْسي في البيتِ، فو الله ما رأَيتُ فيه شيْئاً يَرُدُّ البصرَ، إِلا أُهبَة ثلاثة، فقلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أَن يُوسِّعَ على أُمَّتك، فقد وسَّعَ على فارسَ والروم، وهم لا يعْبُدُون اللهَ. فاستوى جالساً، ثم قال: أَفي شكٍّ أَنتَ يا ابنَ الخطاب؟ أَولئك قومٌ عُجِّلتْ لهم طيِّباتُهم في الحياة الدنيا، فقلتُ: استغفرْ لي يا رسولَ اللهِ، وكان أقسَمَ أَلَاّ يدخُلَ عليهنَّ شهراً من أَجلِ ذلك الحديث، حين أفشَتْهُ حفصةُ إِلى عائشة، من شدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهن حتى عاتبهُ اللهُ تعالى. قال الزهري: فأخبرني عُروةُ عن عائشة قالت: لما مضت تسعٌ وعشرونَ ليلة، دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ، بدأَ بي، فقلتُ: يا رسول الله، إِنك أَقْسَمْتَ أَنك لا تدخل عليْنا شهراً، وإِنَّكَ دخلت من تسعٍ وعشرينَ أَعُدُّهُنَّ؟ فقال: إِنَّ الشهر تسعٌ وعشرون - زاد في رواية: وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلة، ثم قال: يا عائشة إِنِّي ذاكِرٌ لكِ أمراً، فلا علْيكِ أن لا تعجلي حتى تستأمِري أَبويكِ، ثم قرأَ: ﴿يا أَيُّها النبيُّ قُلْ لأَزواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنيا وزينتها ⦗٤٠٤⦘ فَتَعَالَيْنَ أُمتِّعْكُنَّ وأُسرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جميلاً. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أجراً عظيماً﴾ قالت عائشة: قد عَلِمَ والله أَنَّ أبويَّ لم يكونا لِيأْمُراني بِفِراقِهِ، فقلتُ: أَفي هذا أَستأمرُ أَبويَّ؟ فإني أُريدُ اللهَ ورسوله، والدار الآخرة.
وفي روايةٍ: أنَّ عائشةَ قالت: لا تُخبِرْ نِساءكَ أَني اختَرْتُكَ، فقال لها النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ أَرسلني مُبَلِّغاً، ولم يُرْسِلْني مُتَعَنِّتاً» ، هذه رواية البخاري، ومسلم، والترمذي.
ولمسلم أَيضاً نحوُ ذلك، وفيه: «وذلك قبل أَن يؤمَرْن بالحجابِ» .
وفيه: دخولُ عمرَ على عائشةَ وحفصة ولوْمُهُ لهما، وقوله لحفصةَ: «واللهِ لقد علمتُ أنَّ رسولَ الله ﷺ لا يُحِبُّكِ، ولولا أَنا لطَلَّقَكِ» .
وفيه: قولُ عمر عند الاستئذان - في إِحدى المرات - يا رباحُ، استأْذِنْ لي، فإني أُظُنُّ أَنَّ رسولَ الله ﷺ ظنَّ أني جئتُ من أَجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرِبَ عُنُقَها، لأضرِبَنَّ عُنُقَها، قال: ورفعتُ صوتي، وأنهُ أذِنَ له عند ذلك، وأَنهُ استأْذَنَ رسولَ الله ﷺ في أَن يخبر الناسَ أنهُ لم يُطلِّقْ نساءهُ، فأذِنَ له، وأنهُ قام على بابِ المسجدِ، فنادى بأعلى صوتِهِ: لم يُطَلِّقْ رسولُ الله ﷺ نساءهُ، وأَنَّهُ قال له - وهو يَرى الغضبَ في وَجهه-: يا رسولَ اللهِ، ما يشُقُّ عليك من شأنِ النساءِ، فإنْ كنتَ طلَّقْتَهُنَّ، فإنَّ اللهَ مَعَكَ، وملائكتَهُ وجبريلُ، وميكائيلُ، وأنا وأَبو بكرٍ والمؤمنون معكَ، ⦗٤٠٥⦘ قال: وقَلَّمَا تكلَّمْتُ - وأحمدُ الله - بكلامٍ، إِلا رجوتُ أن يكونَ اللهُ يُصدِّقُ قولي الذي أَقولُ، فنزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزواجاً خَيراً مِنكُنَّ مُسلماتٍ مُؤْمِنَاتٍ قانتَاتٍ تَائِباتٍ عابِدَاتٍ سائحاتٍ ثيِّباتٍ وأَبكاراً﴾ .
وفيه أنه قال: فلم أزلْ أُحدِّثُهُ، حتى تحسَّر الغضبُ عن وجهه وحتى كشَرَ فضحِك - وكان من أَحسن الناسِ ثغْراً - قال: ونزلتُ أَتشبَّثُ بالجِذْع وهو جذعٌ يَرْقَى عليه رسولُ الله ﷺ وينْحَدِرُ، ونزلَ رسولُ الله ﷺ كأنما يمشي على الأرضِ، ما يمسُّهُ بيدهِ. فقلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّمَا كُنتَ في الغرفةِ تسعاً وعشرين؟ فقال: إِنَّ الشهرَ يكون تسعاً وعشرين، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذا جَاءهُم أَمرٌ مِن الأمنِ أو الخَوفِ أَذاعوا بهِ ولو رَدُّوه إِلى الرسولِ وإِلى أُولي الأَمرِ منهم لَعَلِمَهُ الذين يسْتَنْبِطونهُ منهم﴾ [النساء: ٨٣] قال: فكنتُ أنا الذي استنْبَطْتُ ذلك الأمر، فأنزل الله ﷿ آية التخيير.
وفي رواية للبخاري ومسلم قال: مكَثْتُ سنة أريدُ أَن أَسأَل عمر بن الخطاب عن آيةٍ، فما أستطيعُ أَن أَسأَلَهُ، هَيْبَة له، حتى خرجَ حاجّاً، فخرجتُ معه، فَلَمَّا رجعنا - وكنا بِبعْضِ الطريق - عَدَلَ إِلى الأراك لحاجةٍ له فوقفتُ له حتى فرغَ، ثم سِرتُ معه، فقلتُ: يا أَمير المؤمنين، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتا على النبيِّ ﷺ من أَزواجه؟ فقال: تلكَ حفصة وعائشةُ، فقلتُ: والله إِنْ كُنتُ لأُريدُ أَنْ أَسأَلكَ عن هذا مُنذُ سنةٍ، فما أستطيعُ، هَيْبة لك، قال: فلا تفْعَلْ، ما ظَنْنتَ أَنَّ عندي من علم، فسلني، فإن كان لي به علمٌ خَبَّرْتُكَ به، ثم قال عمر: واللهِ ⦗٤٠٦⦘ إِنْ كُنَّا في الجاهليةِ ما نَعُدُّ لِلنِّساءِ أمْراً، حَتَّى أنزلَ اللهُ فيهنَّ ما أنْزَلَ، وقَسَمَ لهنَّ ما قسم، قال: فبينا أَنا في أَمرٍ أَتأمَّرُه، إِذْ قالت امرأتي: لو صنعتَ كذا وكذا؟ فقلتُ لها: مالكِ ولِمَا هاهنا! فيما تكلُّفُكِ في أَمرٍ أُرِيدُهُ! فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطابِ! ما تُريدُ أن تُراجَعَ أنتَ، وإنَّ ابنتكَ لتُرَاجِعُ رسولَ الله ﷺ، حتى يظلَّ يومَهُ غضبان؟ فقام عمر، فأخذ رداءهُ مكَانَهُ، حتى دخلَ على حفصةَ، فقال لها: يا بُنيَّةُ، إِنَّكِ لتراجعِين رسولَ الله ﷺ حتى يظلَّ يومَهُ غضبان؟ فقالت حفصةُ: واللهِ إِنَّا لنُراجِعُهُ، فقلتُ: تعلمينَ أَني أُحذِّركِ عقوبةَ اللهِ، وغضب رسولِهِ؟ يا بُنيَّةُ، لا يَغُرنَّكِ هذه التي أَعجَبَهَا حُسْنُهَا، وحُبُّ رَسولِ اللهِ إِيَّاهَا - يُريدُ عائشةَ - قال: ثُمَّ خرجتُ، حتى دخلتُ على أُم سلمةَ لقرابتي منها، فكلَّمتُها، فقالت أُمُّ سلمة: عجباً لكَ يا ابنَ الخطَّاب! ، دخلْتَ في كلِّ شيءٍ، حتى تبتغي أَن تَدْخُلَ بين رسولِ الله ﷺ وَبَين أَزواجِهِ؟ قال: فأَخَذَتْني واللهِ أَخْذاً كَسَرَتْني بهِ عن بَعْضِ مَا كُنتُ أَجِدُ، فخرجتُ من عندها. وكان لي صاحبٌ من الأنصارِ، إِذا غِبتُ أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف مَلِكاً من ملوك غسان ذُكِرَ لنا: أنه يريدُ أن يسيرَ إِلينا، فقد امتلأتْ صُدورنا منه، فإِذا صاحبي الأنصاريُّ يَدُقُّ البابَ. فقال: افتحْ، افتحْ، فقلتُ: جاءَ الغسانيُّ؟ فقال: بل أشدُّ من ذلك، اعتزلَ رسولُ الله ﷺ أزواجَهُ، فقلت: رَغِمَ أنفُ حفصةَ وعائشة، فأخذتُ ثوبي فأخرجُ حتى جِئتُ، فَإِذا ⦗٤٠٧⦘ رسولُ الله ﷺ في مشرُبةٍ له، يَرْقى عليها بعجلةٍ، وغلامٌ لرسولِ الله ﷺ على رأس الدرجةِ، فقلتُ: قلْ: هذا عمرُ بن الخطاب، فَأَذِنَ لي، قال عمر: فَقَصَصْتُ على رسولِ الله ﷺ هذا الحديث، فلما بَلَغْتُ حديثَ أُمِّ سلمةَ، تبسَّم رسولُ الله ﷺ، وإِنَّهُ لعلى حصيرٍ، ما بينَهُ وبينَهُ شيءٌ، وتحت رأسه وسادةٌ من أَدم، حشْوُها ليفٌ، وإِن عند رجليْهِ قَرظاً مصْبُوراً، وعند رأْسِهِ أَهَبٌ مُعلَّقةٌ، فرأيتُ أَثَرَ الحصير في جنْبِهِ، فبكَيتُ. فقال: ما يُبكيك؟ فقلتُ: يا رسولَ الله، إِن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسولُ الله؟ ! فقال: «أَما ترضى أَن تكونَ لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟» .
وأخرجه النسائي مجملاً، وهذا لفظهُ: قال ابن عباس: لم أزلْ حريصاً أَن أسأَلَ عُمرَ بن الخطاب عن المرأَتين من أَزواج النبي ﷺ اللَّتين قال الله ﷿: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلى اللهِ فقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وساق الحديث. هكذا قال النسائي، ولم يذكر لفظه، وقال: واعتزل رسولُ الله ﷺ نساءهُ - من أجل ذلك الحديث، حين أَفشَتْهُ حفصةُ إِلى عائشةَ - تسعاً وعشرين ليلة، قالت عائشةُ: وكان قال: ما أَنا بداخلٍ عليهنَّ شهراً، من شدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهنَّ حينَ حدَّثهُ اللهُ ﷿ حديثَهُنَّ، فلما مضت تِسعٌ وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأَ بها؛ فقالت له عائشة: قد كنتَ آليتَ يا رسولَ الله، أَن لا تدخُلَ علينا شهراً، وإِنَّا أصبحنا من تِسعٍ وعشرين ليلة، نعدُّها عَدّاً؟ ⦗٤٠٨⦘ فقال رسول الله ﷺ: «الشهر تِسعٌ وعشرون ليلة» (٣) . ⦗٤٠٩⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(العوالي) جمع عالية: وهي أماكن بأعلى أراضي المدينة.
(صغت) قلوبكما: مالت.
(جارتك) الجارة هاهنا: الضرة، أراد بها عائشة ﵂.
(أوسم منك) أكثر منك حسناً وجمالاً، والوسامة: الحسن والجمال.
(أوضأ منك) أكثر منك وضاءة، والوضاءة: الحسن والنظافة، ومنه الوضوء.
(نتناوب) التناوب: هو أن تفعل الشيء دفعة ويفعله الآخر دفعة أخرى، مرة بعد مرة.
(المشربة) بضم الراء وفتحها: الغرفة.
(رمال حصير) يقال: رملت الحصير: إذا ضفرته ونسجته، والمراد: أنه لم يكن على السرير وطاء سوى الحصير.
(نقير) النقير: جذع ينقر، ويجعل فيه كالمراقي، يصعد عليه ⦗٤١٠⦘ إلى الغرف.
(أهبة، وأهب) الأهب: جمع إهاب، كذلك الأهبة، والإهاب الجلد، ويجمع أيضا على أهب بالضم.
(الموجدة) الغضب.
(تحسر) الغضب، أي: انكشف وزال.
(كشَرَ) عن أسنانه، أي: كشف.
(أتأمَّره) التأمر: تدبر الشيء والتفكر فيه، ومشاورة النفس في شأنه.
(قرظاً) القرظ: ورق السلم، يدبغ به الجلود.
(مصبوراً) المصبور: المجموع، أي: جُعِل صبرة كصبرة الطعام.