١٢٠٢ - (خ م ت د س) مالك بن أَوْس بن الحدثان ﵁: قال: أرسلَ إليَّ عُمَرُ، فَجِئْتُهُ حين تعالَى النَّهارُ، قال: فوجدتُهُ في بَيْتِه جالساً على سَرِيرٍ، مُفْضِياً إلى رِمالِهِ، مُتَّكِئاً على وِسادةٍ من أدَمٍ، فقال لي: يا مَالِ، ⦗٦٩٨⦘ إنَّهُ قَدْ دَفَّ أهلُ أبْياتٍ من قومك، وقد أمرْتُ فيهم برَضْخٍ، فَخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بينهم، قال: قلتُ: لو أمرتَ بهذا غيري؟ قال: خُذْهُ يا مالِ، قال: فجاءَ يَرْفا (١) ، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمانَ وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم، فَأذِنَ لهم فدخَلُوا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم، فَأذِنَ لهما، فقال العباسُ: يا أمير المؤُمنين: اقض بيني وبين هذا، فقال القوم: أجَلْ، يا أمير المؤمنين، فاقْضِ بينهم وأرِحْهُمْ، قال مالك بنُ أوسٍ: فَخُيِّلَ إليَّ أنهم قد كانوا قَدَّمُوهُمْ لذلك، فقال عمر: اتئِدُوا، أنْشُدُكم باللهِ الذي بإِذنِه تقوُم السماء والأرضُ، أتَعْلَمُونَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا نُورَثُ ما تركْنَا صدقة (٢) ؟» قالوا: نعم، ثم أَقْبَلَ على العبَّاسِ، وعليّ، فقال: أنْشُدُكما باللهِ الذي بإذْنِه تَقومُ السماءُ والأرض، أتَعْلَمَانِ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَة؟» قالا: نعم، قال عمر: إنَّ الله ⦗٦٩٩⦘ كان خَصَّ رسولَهُ ﷺ بخاصَّةٍ لم يَخْصُصْ بها أحداً غيره (٣) ، فقال: ﴿ما أَفَاءَ الله على رسولِهِ مِنْ أَهْلَ القُرَى فَلِلَّهِ وللرَّسولِ﴾ [الحشر: ٧] .
وفي رواية وقال: ﴿وما أفاءَ الله على رسوله منهم فما أوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦] ، قال: فَقَسمَ رسولُ الله ﷺ بينكم أموالَ بَني النَّضِير، فواللهِ ما اسْتَأْثَرَها عليكم، ولا أخَذها دُونكم حتى بَقيَ هذا المالُ، فكان رسولُ الله ﷺ يأْخُذُ منه نَفَقة سنَةٍ، ثم يجعلُ ما بقي أسْوَةَ المال - وفي رواية: ثم يجعلُ ما بقي مَجْعَلَ مالِ الله - ثم قال: أنشُدُكمْ بالله الذي بإذْنِهِ تَقَومُ السماء والأرض، أتَعْلَمُونَ ذلك؟ قالوا: نعم، ثم نَشدَ عَباساً وعليّاً بمثل ما نَشَدَ به القومَ: أتَعْلَمَانِ ذلك؟ قالا: نعم، قال: فلما تُوفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ قال أبو بكر: أنا وَليُّ رَسُول اللهِ ﷺ زاد في رواية: فَجِئْتُمَا، تَطْلُبُ أَنت ميراثكَ من ابنِ أخِيكَ، ويطلبُ هذا ميراث امرأتهِ من أبيها؟ فقال أبو بكرٍ: قال رسولُ الله ﷺ: لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَةٌ، ثم اتَّفَقا - ثم تُوفِّيَ أَبو بكرٍ، وأنا وَليُّ رسول الله ﷺ وَوَليُّ أبي بكْرٍ، فَوَلِيتُها، ثم جئتَني أنت وهذا، وأنْتما جميعٌ، وأمرُكما واحدٌ، فَقُلتُمْ: ادْفَعْها إلينا، فقلتُ: إنْ شِئتُمْ دَفعْتُها إليكم، على أنَّ ⦗٧٠٠⦘ عليكما عهدَ الله وأَنْ تَعْمَلا فيها بالذي كانَ يعملُ رسولُ الله ﷺ. فَأَخذْتُماها بذلك، أكَذَلكَ؟ قالا: نعم، قال: ثم جئتُماني لأقضيَ بينكما، ولا والله، لا أَقْضِي بينكما بغير ذلك، حتى تقومَ الساعةُ، فإنْ عَجَزْتُما عنها فَرُدَّاها إليَّ.
وفي رواية: وأنَّ عمر قال: كانت أموالُ بني النضيرِ مِمَّا أفاءَ الله على رسوله ﷺ مما لم يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ، ولا ركابٍ، فكانت للنبيِّ خاصة، فكان يُنفِقُ على أهله نَفقَةَ سَنةٍ.
وفي رواية: ويَحْبِسُ لأهلِه قُوتَ سَنَتِهمْ، وما بقيَ جَعَلهُ في الكُراعِ والسلاح، عُدَّة في سبيل الله.
هذه رواية البخاري ومسلم بموجب ما أخرجه الحميدي.
وقال الحميدي: وقد تركنا من قول عمر - في مُعاتبتِهما ومن قولهما ألفاظاً ليستْ من المُسْنَد.
والذي وجدتُه في كتاب البخاري من تلك الألفاظ - زيادة على ما أخرجه الحميدي بعد قوله: اْقضِ بَيْني وبين هذا الظالم - اسْتَبَّا، قال: وهما يختصمانِ فيما أفَاءَ الله على رسوله من بني النضير. فقال الرَّهطُ - عُثمانُ وأصحابه -: يا أمير المؤمنين، اقْض بينهما، وأرحْ أحدهما من الآخر.
- وبعد قوله: فقال أبو بكرٍ: أنا وَلِيُّ رسول الله ﷺ، فقبضها فعمل فيها ⦗٧٠١⦘ بما عمل رسولُ الله ﷺ، وأنتما حينئذ - وأقْبلَ على عَلِيٍّ وعباس - تَزْعُمَانِ: أن أبا بكر فيها كذا، واللهُ يَعْلَمُ إنَّه فيها صادقٌ، بارٌّ رَاشِدٌ، تابعٌ للحقِّ، وكذلك زاد في حق نفسه، قال: والله يعلم إنِّي فيها صادق، بارٌّ راشد، تابع للحق.
وزادَ في آخر الحديث: فإنْ عَجَزْتُمَا عنها، فادْفَعَاهَا إليَّ، فأنا أكْفِيكُماهَا.
وفي كتاب مسلم: فقال عَبَّاسٌ: يا أميرَ المؤمنين: اقْضِ بيْني وبين هذَا الكاذِبِ الْغَادِرِ الخَائِن (٤) . ⦗٧٠٢⦘
وفيه قال أبو بكرٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا نُورَثُ، ما تركْنَا ⦗٧٠٣⦘ صَدقَة» فَرَأَيْتُماهُ كاذِباً آثماً، غادراً خائناً، واللهُ يعلم إنَّهُ لصادقٌ، بارٌّ راِشدٌ، تابِعٌ للحَقِّ، ثم تُوُفِّي أبو بكر، فقلتُ: أنا وليُّ رسولِ الله ﷺ ووليُّ أبي بكرٍ، فرأيْتُماني كاذِباً آثماً، غادِراً خائناً، واللهُ يعلمُ إنِّي لصادقٌ، بَارٌّ راِشدٌ، تابعٌ للحق، فَوَلِيتُها.
وأخرجه الترمذي مختصراً، وهذا لفظه: قال مالكُ بن أوس: دخلتُ على عمرَ بن الخطاب، ودخل عليه عثمانُ بنُ عفَّان، والزبيرُ بنُ العوام، وعبدُ الرّحمن بنُ عوفٍ، وسعدُ بن أبي وقَّاصٍ، ثم جاء عليٌّ والعبَّاسُ ⦗٧٠٤⦘ يختصمان، فقال عمر لهم: أنْشُدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتَعْلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَةٌُ؟» قالوا: نعم، قال عمر: فلمَّا تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسول اللهِ ﷺ، فجئتَ أنتَ وهذا إلى أبي بكرٍ، تطلبُ أنتَ ميراثكَ من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَة» والله يعلمُ إنه صادقٌ، بارٌّ راشدٌ، تابع للحقِّ.
قال الترمذي: وفي الحديث قِصة طويلة، ولم يذكرها.
وأخرجه أبو داود بطوله، وزاد فيه: «والله يعلم إنه صادق، بارٌّ راشدٌ، تابعٌ للحق» .
ثم قال أبو داود: إنما سألا: أن يُصَيِّرَه نصفين بينهما؟ لا أنهما جهلا عن ذلك أن النبيَّ ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَة» فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عُمرُ: لا أوقِعُ عليه اسم القَسْمِ، أدَعُهُ على ما هو.
وفي رواية أخرى له بهذه القصة: قال: «وهما - يعني عليّاً والعباس - يخْتصمان فيما أفاءَ اللهُ على رسَوُلهِ من أموالِ بني النضير» .
وأخرجه النسائي بنحوٍ من هذه الرواية، وهذه أتمُّ لفظاً.
وزاد: ثم قال: ﴿واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ من شيءٍ فأَنَّ للَّه خُمُسَهُ ⦗٧٠٥⦘ وللرَّسُولِ ولذي القُربى واليتامى والمساكين﴾ [الأَنْفَال: ٤١] هذه لهؤلاء ﴿إنَّما الصدقاتُ للفقراءِ والمساكينِ والعاملينَ عليها والمؤلَّفَةِ قلوبهم وفي الرِّقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠] هذه لهؤلاء ﴿وما أَفَاءَ الله على رسوله منهم فَمَا أَوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركابٍ﴾ [الحشر: ٦] قال: قال الزهري: هذه لرسول الله ﷺ خاصَّة، قُرى عُرَيْنَة (٥) .
قال: كذا وكذا ﴿ما أفَاءَ اللَّه على رسولِهِ مِنْ أَهْل القُرَى فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ ولذي الْقُرْبى واليتامَى والمساكين﴾ [الحشر: ٧] و ﴿لِلْفُقَراءِ المهاجرينَ الذين أُخرِجُوا من ديارهم وأَموالهم﴾ [الحشر: ٨] ، ﴿والذين تَبوّءُوا الدَّارَ والإيمان من قبلهم﴾ [الحشر: ٩] ، ﴿والذين جاءُوا من بعدهم﴾ [الحشر: ١٠] ، فاسْتَوَعبَتْ هذه الآيةُ النّاسَ، فلم يبق رَجُلٌ من المسلمين إلا وله في هذا المالِ حقٌٌّ- أو قال: حظٌٌّ- إلا بَعضَ مَنْ تَمْلِكُونَ من أَرِقَّائِكمْ، ولَئنْ عِشتُ - إن شاء اللهُ - لَيأْتِيَنَّ على كلِّ مُسلمٍ حقُّهُ - أو قال: حظُّهُ.
وأخرج أبو داود عن الزهري قال: قال عمر: ﴿فما أوْجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ ولا ركابٍ﴾ .
وذكر مثل ما قد ذكره النسائي في حديثه ... إلى آخره (٦) . ⦗٧٠٦⦘
وفي رواية أخرى لأبي داود (٧) . قال أبو البُختري: سمعتُ حديثاً من رجلٍ، فأعجبني. فقلت: اكتُبْه لي، فَأتَى به مكتوباً مُذَبَّراً (٨) : دَخلَ العباسُ وعليٌّ على عمرَ، وعنده طلْحَةُ، والزبيرُ، وعبدُ الرحمن، وسعدٌ، وهما يختصمان، فقالَ عمرُ لطلحةَ، والزبير، وعبد الرحمن، وسعدٍ: ألم تعلموا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «كلُّ مالِ النبيِّ صَدقَةٌ، إلا ما أطعمهُ أهلَه، أو كَسَاهُم، إنا لا نُورَث؟» قالوا: بَلى، قال: فكان رسولُ الله ﷺ يُنْفِقُ من ماله على أهله، ويتصدَّقُ بِفَضْلِهِ، ثمَّ توفِّيَ رسولُ الله ﷺ، فولِيها أبو بكرٍ سَنَتَيْن، وكان يَصَنعُ الذي كان يصنعُ رسولُ الله ﷺ ... ثم ذكر شيئاً من حديثِ مالك بن أوس.
وفي رواية أخرى عن مالك بن أوس قال: كان فيما احْتَجَّ به عمر أنْ قال: كانتْ لرسولِ الله ﷺ ثلاثُ صَفَايا: بَنُو النَّضير وخَيْبَر وفدكُ، فأمَّا بَنُو النَّضير: فكانت حَبْساً لِنَوائبِه، وأما فدكُ: فكانَتْ حَبْساً لأبناءِ السبيل، وأما خيبر فجزَّأها رسولُ الله ﷺ ثلاثَة أجزاءٍ: جُزْئينِ بين المسلمين، وجزءاً نفقة لأهله، فما فَضَلَ عن نَفَقَةِ أَهْلِه، جعله بين فُقراءِ المهاجرين.
قال الزهري: وكانت بنُو النَّضير لرسولِ الله ﷺ، لم يَفْتَحُوهَا عَنْوة افتتحُوهَا على صُلحٍ، فَقَسَمَها رسول الله ﷺ بين المهاجرين، ولم يُعْطِ ⦗٧٠٧⦘ الأنصارَ منها شيئاً، إلا رُجلَيْن كانت بهما حَاجَةٌ.
وفي رواية مختصرة للترمذي، وأبي داود، والنسائي، عن مالك بن أوس قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقولُ: كانت أموالُ بَني النضير، مِمَّا أفَاء الله على رسولِهِ، مِمَّا لم يُوجِفْ عليه المسلمونَ بخَيْلٍ ولا ركابٍ، وكانت لرسوِلِ الله ﷺ خالِصاً، وكان رسولُ الله ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهلِهِ سنة، ثم يجعلُ ما بقَي في الكُراع والسِّلاحِ: عُدَّة في سبيلِ الله (٩) .
قال الحميديُّ في كتابه: زادَ البَرْقاني في روايته: قال: فَغَلَبَ على هذه الصدقِة عليٌّ ﵁، فكانت بيدِ عليٍّ، ثم كانت بيد حسنِ بن عَلِيّ، ثم كانت بيد حُسينٍ، ثم كانت بيد علي بن حسْينٍ، ثم كان بيد الحسنِ بن الحسن، ثم كانت بيدِ زيد بن الحسن، ثم كانت بيد عبد الله بن الحسن، ثمَّ ولَيها بنُو العبَّاسِ ⦗٧٠٨⦘.
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(إلى رمال) رمال السرير: هي الخيوط التي تُضْفَر على وجهه مشبكة.
(مفضياً) أفضى إليه: أي ألقى نفسه عليها، لا حاجز بينهما.
(وسادة) الوسادة: المِخَدّة.
(يا مال) : ترخيم مالك.
(دَفَّت) يقال: دفَّت دافَّة من الأعراب بدال مهملة: إذا جاؤوا إلى المصر.
(بِرَضْخ) الرضخ: العطاء ليس بالكثير.
(اتَّئِد) : أمر بالتأني والتثبت في الأمر.
(أنشدكم) : أسألكم وأقسم عليكم.
(بإذنه) : أي بأمره وعلمه.
(أفاء) أي: جعله فيئاً، وهو ما أعطاه الله من أموال الكفار من غير قتال.
(استأثرها) الاستئثار: الاستبداد بالشيء والانفراد به.
قال الخطابي: قول عمر لعلي وعباس: فجئت أنت وهذا، وأمرُكما واحد، وأنتما جميع، يُبَيِّن أنهما إنما اختصما إليه في أسباب الولاية والحفظ، وأن يُوَلِّي كلاًّ منهما نصفاً، ولم يسألاه: أن يقسمها بينهما ميراثاً ومِلْكاً، بعد أن كانا سلماها أيام أبي بكر، وكيف يجوز ذلك وعمر يناشدهما الله: هل ⦗٧٠٩⦘ تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» يعترفان به، والحاضرون يشهدون على رسول الله ﷺ بمثل ذلك؟ فأراد عمر أن لا يوقع عليها اسم القسمة، احتياطاً للصدقة، لئلا يجيء مَن بعد علي وعباس، وهي مقسومة، فيدَّعيها مِلكاً وميراثاً.
(أرِقَّائِكم) الأرقاء: جمع رقيق، وهم العبيد والإماء.
(حَبْساً) الحبس: الوقف.
(لنوائبه) النوائب: قد تقدم ذكرها.