٣٤٠ - (خ م ت د س) جابر بن عبد الله ﵄: قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ في سَفرٍ، وكنتُ على جَمَلٍ ثَفالٍ، إنما هو في آخر القوم، فمرَّ بيَ النبيُّ ﷺ، فقال: «مَن هذا؟» . قُلتُ: جابرُ بن عبد الله، قال: «مالَكَ؟» قلت: إِن على جمل ثَفَالٍ (١) ، قال: أَمَعَكَ قَضيبٌ؟ قلتُ: نعم. قال: «أَعْطِنِيهِ» ، فأعْطَيْتُهُ، فَضَرَبه وزجره، فكان من ذلك المكان في أول القوم، قال: «بِعنِيهِ» ، فقلتُ: بَل هو لك يا رسول الله، قال: «بل بِعنِيهِ، قد أَخذتُهُ بأربعة دنانير، وَلَكَ ظَهْرُهُ (٢) إِلى المدينة» ، فلما دنونا من المدينة ⦗٥١٠⦘ أَخذتُ أَرتَحِلُ، قال: أَيْنَ تُريدُ؟ قُلتُ: تزوجتُ امرأةً قد خَلا مِنْها، قال: «فهلا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟» قُلتُ: إِنَّ أَبي تُوفِّيَ وتَرَكَ بناتٍ، فَأَرَدتُ أَنْ أَتَزَوَّج امرأةً قد جَرّبتْ، وخلا منها، قال: «فذلك» ، قال: فلما قدمنا المدينة، قال: «يا بلالُ، اقْضِهِ، وزِدْهُ» ، فأعطاهُ أَربعةَ دنانير، وزاده قِيراطًا (٣) ، قال جابر: لا تفارقُني زِيادَةُ رسول الله ﷺ، فلم يكن القيراطُ (٤) يُفَارِقُ قِرَابَ جابر بن عبد الله. هذا لفظ البخاري.
وفي رواية له، ولمسلم قال: غزوتُ مع رسول الله ﷺ فَتَلاحَقَ بي النبي ﷺ، وأَنا على ناضِحٍ لنا قد أَعْيَى، قال: فتَخَلَّفَ رسول الله ﷺ، فزجره ودعا له، فما زال بَين يَديَ الإِبل، قُدَّامَها يسير، فقال لي: «كيف ترى بعيرك؟» فقلتُ: بخير، قد أصابته بركَتُكَ، قال: «أَفَتَبِيعُنيهِ؟» ، قال: فاستحييت، ولم يَكُنْ لنا ناضِحٌ غيرَه، قال: فقلت: نعم! فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، عَلى أنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ، حتى أَبلغَ المدينة. قال: فقلت: يا رسول الله، إِنِّي عروسٌ، ⦗٥١١⦘ فاستأذنتُه، فأذن لي، فتقدمتُ الناسَ إلى المدينة، حتى أتيتُ المدينة، فلقيَني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرتُه بما صنعتُ فيه فَلامَني، قال: وقد كانَ قال لي رسول الله ﷺ حين استأذنتُه -: هل تزوجتَ بكرًا أم ثيبًا؟ قلت: تزوجتُ ثيبًا، فقال: «هلا تزوجتَ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟» قلتُ: يا رسول الله: تُوُفِّيَ والدي، أَو استُشهِدَ، ولي أَخواتٌ صِغَارٌ، فكرهتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فلا تُؤدِّبُهُنَّ، ولا تقومُ عليهنَّ، فتزوجتُ ثَيِّبًا لتقومَ عليهنَّ، وتؤدِّبَهُنَّ، قال: فلما قَدِمَ رسول الله ﷺ غَدَوتُ عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، ورَدَّهُ عَلَيَّ.
وفي أخرى: أنه كان يسير على جمل له قد أعيَى، فَمَرَّ به النبي ﷺ، فَضَرَبَهُ، ودَعَا له، فَسارَ بِسيْرٍ ليس يَسيرُ مثلَهُ، ثم قال: «بِعْنِيهِ بِأُوقيَّةٍ» ، قلت: لا، ثم قال: «بعنيه بأُوقية» ، فبعتُهُ، واستثنيتُ حُمْلانَهُ إِلى أهلي، فلما قدمنا أَتيتُه بالجمل، وَنَقَدَني ثَمنَهُ، ثم انصرفتُ، فأرسلَ على أثري، فقال: «ما كنتُ لآخُذَ جملكَ، فخذ جَمَلكَ، فهو مَالُكَ» .
قال البخاري: قال جابر: أَفْقَرَنِي رسول الله ﷺ ظَهْرَهُ إِلى المدينةَ (٥) .
وقال في أخرى: فبعتُه على أَنَّ لي فَقَارَ ظَهْرِهِ حتى أَبْلُغَ المدينَةَ (٦) . ⦗٥١٢⦘
وقال في أُخرى: لَك ظَهْرُه إِلى المدينة (٧) . وفي أُخرى: وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إِلى المدينة (٨) .
قال البخاري: الاشتراط أكثر وأَصَحُّ عندي (٩) .
قال: وفي رواية: أنه اشتراه بأوقية.
وفي أخرى: «بأربعة دنانير» .
قال البخاري: وهذا يكون أوقية، على حساب الدنانير بعشرة.
وقال في رواية: أوقية ذهبٍ، وفي أخرى: مائتي درهم.
وفي أخرى قال: اشتراه بطريق تبوك، أحْسبُهُ قال: بأربع أواقيّ. ⦗٥١٣⦘ وفي أخرى: بعشرين دينارًا. قال البخاري: وقولُ الشَّعْبِيِّ: بأوقيةٍ، أكثر (١٠) .
وفي رواية للبخاري ومسلم نحو الرواية الأولى، وفيه: فنزل فَحَجَنَهُ بِمحْجَنِهِ، ثم قال: اركَبْ - وذكر نحوه - وقال فيه: أمَا إنَّكَ قَادِمٌ، فإذا قَدِمْتَ فالْكَيْسَ الْكَيْسَ. وفيه: فاشتراه مني بأوقية، وفيه: فقدِمتُ بالغداة فجئتُ المسجدَ فوجدتُه على باب المسجد، فقال: الآن قَدِمَّتَ؟ قلتُ: نعم. قال: فَدَعْ جَمَلَكَ وادْخُل فصَلِّ ركعتين، فدخلتُ فَصَلَّيْتُ، ثم رجعتُ، فأمر بلالاً أنْ يَزِن لي أوقيةً، فَوَزَنَ لي بلال، فَرَجَحَ الميزان، فَانْطَلَقْتُ، فلَمَّا وَلَّيْتُ قال: ادْعُ لي جابِرًا، فَدُعِيتُ، فقلتُ: الآن يَرُدُّ عليَّ الْجَمَلَ، ولم يكن شيء أبغضَ إليهَ منه، فقال: خُذْ جَمَلَكَ، ولك ثَمنُه.
وفي رواية لهما أيضًا، قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فلما أقبلنا تَعَجَّلْتُ على بَعِيرٍ لي قَطُوفٍ، فلحقني راكبٌ من خلفي، فَنَخَس بَعِيري بِعَنزَةٍ كانت معه، فانطلق بعيري كأجودَ ما أنتَ راءٍ من الإبلِ، فَالتفتُّ، فإذا أنا برسول الله ﷺ، فقال: «ما يُعْجِلُكَ يا جابرُ؟» قلتُ: يا رسول الله، إني حديثُ ⦗٥١٤⦘ عهد بعُرسٍ، قال: «أبِكْرًا تزوجتَها، أم ثيبًا؟» - فذكره - قال: فلما ذهبنا لِندخلَ قال: «أمْهِلوا، حتَّى نَدخُلَ ليلاً، أي: عِشاءً (١١) ، كَيْ تَمتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتَستَحِدَّ المُغِيبَةُ» زاد مسلم: فإذا قدمتَ فالكَيْسَ الْكَيْسَ.
وفي رواية لمسلم قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة، مع رسول الله ﷺ، فأعْيَى جملي - وذكر نحو حديث قبله - وفيه: ثم قال لي: «بِعْني جملَكَ هذا» ، قلتُ: لا، بل هو لك، قال: «لا، بل بِعنِيهِ» ، فقلتُ: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: «لا، بل بِعْنِيهِ» ، قُلتُ: فإنَّ لرجلٍ عليَّ أوقِيَّةً من ذَهَب، فهو لك بها، قال: «قد أخذتُه، فَتَبَلَّغْ عليه إلى المدينة» ، قلما قدمتُ المدينة، قال رسول الله ﷺ لبلالٍ: «أعطِهِ أوقيةً من ذهبٍ وزِدْهُ» ، قال: فأعطاني أوقيةً من ذهبٍ، وزادني قيراطًا، قال: فقلتُ: لا تفارقُني زيادةُ رسول الله ﷺ، قال: فكان في كِيسٍ لي، فأخذه أهل الشام يومَ الحَرَّةِ.
وفي أخرى لمسلم نحو ذلك، وفيه قال: أتَبِعْنيه بكذا وكذا والله يغفر لَكَ؟ قلتُ: هو لك يا نبي الله، قال ذلك ثلاثًا، وذكر الحديث. وفي أخرى له، قال لي: ارْكَب بِسْم الله، وفيه: فما زال يزيدُني ويقول: واللهُ يَغْفِرُ لَكَ.
وفي أخرى له قال: فَنَخَسَهُ، فَوَثَبَ، فكنْتُ بعد ذلك أحْبِسُ خُطامَهُ ⦗٥١٥⦘ لأسمعَ حديثَهُ، فما أقدِرُ عليه، فَلَحِقَني النبيَّ ﷺ، فقال: «بِعْنِيهِ» ، فبعتُهُ، بِخَمْسٍ أواقيَّ، قال: قلت: على أنَّ لي ظهره إلى المدينة، فلما قَدِمْتُ المدينةَ أتَيْتُهُ، فزادني أوقيَّة، ثم وَهَبَه لي.
وفي رواية لهما قال: سافرتُ معه في بعض أسفَارِهِ - قال أبو المتوكل: لا أدْري غَزْوَةً، أو عُمْرةً - فلما أن أقبلنا، قال النبي ﷺ: «مَنْ أحَبَّ أنْ يَتَعَجَّلَ إلى أهله فَلْيَتَعَجَّلُ» ، قال جابر: فأقبلنا، وأنا على جمل لي أرمل، ليس فيه شِيَةٌ، والناس خَلْفي، فبينما أنا كذلك إذ قام عليّ، فقال النبي ﷺ: «يا جابر، اسْتَمْسِكْ» ، فضربه بِسوطِهِ، فوثبَ البعير مكانه، فقال: «أتبيع الجملَ؟» فقلت: نعم، فلما قَدِمنا المدينة، ودخل النبي ﷺ المسجد في طوائفَ من أصحابه، دخلتُ إليه، وعَقَلْتُ الجمل في ناحية البَلَاطِ، فقلت له: هذا جملُك، فخرج فجعل يُطيفُ بالجمل، ويقول: الجملُ جَملُنا، فبعث النبي ﷺ إليه بأوَاقِيَّ من ذهَبٍ، فقال: «أعطوها جابرًا» ، ثم قال: «استوفَيْتَ الثَّمَنَ؟» قُلتُ: نعم؛ قال: «الثمنُ والجملُ لك» .
وفي رواية قال: اشترى منِّي النبي ﷺ بعيرًا بِوُقيَّتين ودرهم أو درهمين، فلما قدمَ صِرارًا أمَرَ ببقرة فذُبِحَتْ، فأكلوا منها، فلما قدموا المدينة، أمَرَني أنْ آتيَ المسجدَ، فأصلي فيه ركعتين، وَوَزَنَ لي ثمن البعير. ومن الرواة مَنِ اقْتَصَرَ على ذِكْرِ الركعتين في المسجد. وفي رواية: أنه لما قدم المدينة نَحَرَ جَزُورًا. ⦗٥١٦⦘
هذه روايات البخاري ومسلم التي ذكرها الحُمَيْدِي في كتابه في ذكر بيع الجمل والاشتراط.
وقد أضاف إليها روايات أخرى لهما، تَتَضَمَّنُ ذِكْرَ تزويج جابر، وسؤالَ رسول الله ﷺ إيَّاه عنه، وذكر دخول الرجل على أهله طُروقًا، ولم يذكر فيها بيع الجمل، فلهذا لم نذكرها نحن ها هنا، وأخَّرْناها لتجيء في كتاب النكاح من حرف النون، وفي كتاب الصحبة من حرف الصاد، إن شاء الله تعالى. والمراد من ذكر هذا الحديث بطوله: ذكر الاشتراط في البيع، ولأجل ذلك أخرجوه، ولهذا السبب لم يخرِّج منه الترمذي وأبو داود إلا ذكر الاشتراط. وهذا لفظ الترمذي: إنَّ جابرًا باع من النبي ﷺ بعيرًا، واشترط ظهره إلى أهله.
وهذا لفظ أبي داود، قال جابر: بِعْتُهُ - يعني بعيره - من النبي ﷺ، واشترطتُ حُمْلانه إلى أهلي.
وقال في آخره: «تُراني إنما ما كَسْتُكَ لأذهب بجملك؟ خُذْ جملك وثمنَه، فهما لك» .
وحيث كان المقصود من الحديث ذكر الاشتراط، وهو متفق عليه بين البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عَلَّمنا عليه علاماتهم الأربع، وإن لم يكن جميع الحديث متفقًا عليه. ⦗٥١٧⦘ وأخرج النسائي روايات متفرقة نحو هذه الروايات المتقدمة (١٢) . ⦗٥١٨⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
ثفال: جمل ثفال، أي: بطيء في سيره.
خلا منها: خلا من المرأة، أي: كبرت وخرجت من حد الشباب.
الناضح: الجمل يستقى عليه الماء ليسقي النخل والزرع وغيره.
فَقَار: الفقار: خَرَز الظهر، يقال: أفقرتك ناقتي، أي: أعرتك فقارها لتركبها.
عروس: العروس: اسم يقع على الرجل والمرأة، إذا دخل أحدهما بالآخر، يقال: رجل عروس، وامرأة عروس.
فنقدني: نقدته كذا، أي: أعطيته نقدًا، وقد ذكر مقدارها في متن الحديث، وكانت يومئذ أربعين درهمًا.
محجن: المحجن: عصًا في طرفها انعقاف كالصولجان ونحوه.
فالكَيْس: الكيس: هو الجماع والعقل، كأنه جعل طلب الولد عَقلاً.
قطوفُ: جمل قطوف: سيء المشي، ضيق الخطوة.
العنزة: شبه العكازة، يكون في طرفها الواحد شبه الحربة. ⦗٥١٩⦘
تمتشط الشعثة: الشعثة: المرأة البعيدة العهد بالغسل والتسريح، والامتشاط، تسريح الشعر: يعني: حتى تصلح من شأنها، بحيث إذا قدم عليها بعلها، وجدها متجملة، حسنة الحال.
وتستحد المغيبة: المغِيبَةُ: المرأة التي غاب عنها زوجها، والاستحداد: أخذ الشعر بالموسى وغيرها، وهذا أيضًا كالأول.
أرمل: جمع أرمل: يضرب لونه إلى الكدرة.
لاشية فيه: أي: لا لون فيه يخالف كدرته.
البلاط: ما يُفْرَشُ به الأرض من حجر أو غيره، ثم سمي المكان بلاطًا على المجاز.
صرارًا: بكسر الصاد المهملة، والراءين المهملتين: موضع قريب من المدينة.
جزورًا: الجزور من الإبل: يقع على الذكر والأنثى، والكلمة مؤنثة.
ماكستك: فاعلتك من المكس: وهو انتقاص الثمن، وذكر الزمخشري في كتابه «الفائق» هذا الحديث، وقال: قد روي: «ماكستُك» من المكاس، ومعناه ظاهر، وقال: قد روي «أتُراني أنما كسْتُك» وهو من كايسته فكِسْتُهُ، أي كنت أكيس منه.