الباب الخامس: في التيمم، وفيه أربعة فروع
الفرع الأول: في التيمم لعدم الماء
٥٢٨٧ - (خ م ط د س) عائشة ﵂ قالت: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ في بعض أسفارِه، حتى إذا كُنَّا بالبَيْدَاءِ - أو بذاتِ الجيش - انْقطَعَ عِقْد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناسُ معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناسُ إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى إلى ما صَنَعتْ عائشة؟ ⦗٢٤٨⦘ قامت برسول الله ﷺ وبالناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ وَاضِع رأسه على فَخذي قد نام، فقال: حَبستِ رسول الله ﷺ والناسَ، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعَن بيده في خاصِرَتي، فلا يمنعني من التحرُّك إلا مكانُ رسول الله ﷺ على فَخِذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصْبَح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم، فَتَيَمَّمُوا، فقال أسَيد بنُ حُضَير - وهو أحدُ النُّقَباء -: ما هي بأولِ بَرَكتِكُمْ يا آل أبي بكر، قالت عائشةُ: فَبَعثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقْدَ تحتَه.
وفي رواية: أن عائشة قالت: «سَقَطَتْ قِلَادَة لي بالبَيْدَاءِ، ونحن داخلون المدينة، فأناخَ النبيُّ ﷺ، ونزل، فَثَنى رأسه في حَجْرِي راقداً، فأقْبَل أبو بكر فلكَزَني لَكْزَة شديدة، وقال: حبسْتِ الناسَ في قِلَادة، فَبيَ الموتُ لمكانِ رسول الله ﷺ، وقد أوجعني، ثم إن النبيَّ ﷺ استيقظَ وحضرتِ الصبحُ، فالتمس الماءَ فلم يوجد، فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهَكُمْ وأيديَكُمْ إلى المرافق وامسحوا برؤوسِكُمْ وأرجُلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنباً فاطَّهَّرُوا وإن كنتم مرضى أو على سَفَرٍ أو جاء ⦗٢٤٩⦘ أحدٌ منكُمْ من الغائط أو لامستم النساءَ فلم تجدوا ماءً فتيمَّمُوا صعيداً طَيِّباً فامسحوا بوجوهِكم وأيديكم منه ما يريدُ اللهُ ليجعلَ عليكم من حَرَجٍ ولكن يريدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦] قال أُسيدُ بنُ حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم» .
وفي أخرى «أنها استعارتْ من أسماءَ قِلادة، فهلكتْ، فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها، فأدركْتهم الصلاة، فصلَّوْا بغيرِ وضوء، فلما أتوا النبيَّ ﷺ شَكَوْا ذلك إليه، فنزلتْ آية التيمم، فقال أسيدُ بنُ حضير: جزاكِ الله خيراً، فوالله ما نزل بكِ أمر قطُّ إلا جَعَلَ الله لك منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بَرَكة» .
أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج «الموطأ» والنسائي الرواية الأولى.
وفي رواية أبي داود قالتْ: «بَعَثَ رسول الله ﷺ أُسَيْدَ بنَ حُضيْر وأُناساً معه في طلب قِلادة أضَلَّتها عائشةُ، فحضرتِ الصلاةُ، فَصلَّوْا بغير وضوء، فأتَوُا النبيَّ ﷺ، فذكروا ذلك له، فأُنزلت آية التيمم» .
زاد في رواية: «فقال لها أسَيد: يرحمكِ اللهُ، ما نزلَ بكِ أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولكِ فيه فرجاً» (١) . ⦗٢٥٠⦘
[شَرْحُ الْغَرِيبِ]
(التيمم) في اللغة: القصد: وهو في الشريعة: الفعل المعروف القائم مقام الوضوء.
(النُّقَبَاء) : جمع نَقِيب: وهو المقدَّم على جماعة يكون أمرهم مردوداً إليه، كالعريف أو أكبر منه، والمراد بالنقباء: الجماعة من الأنصار الذين أسلموا في العقبة، وهم سُبَّاق الأنصار إلى الإسلام، جعلهم النبي ﷺ نقباء على قومهم، وكان أسيد بن حضير منهم.
(فَبَعثنا) بعثت البعير وغيره: إذا أثَرْته ليقوم.
(فثَنى رأسه في حجري) أي: عَطَفَه ولَوَاه.
(فَلَكَزني) اللَّكْز والنَّخس واحد.