هل الحديث ينسخ أو يخصص القرآن الكريم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل الحديث له سلطة على القرآن بنسخ أو بتخصيص؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولا:
القرآن والسنة في منزلة واحدة باعتبارهما مصادر مِن مصادر التشريع الإسلامي، والله ﷿ يقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) النجم/٣-٤.
وقد بوب الخطيب البغدادي ﵀ في كتابه القيم " الكفاية في علم الرواية " (ص/٢٣) بقوله: " باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى، وحكم سنة رسول الله ﷺ، في وجوب العمل، ولزوم التكليف " انتهى.
وأورد تحته حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
(أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ)
رواه الترمذي (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (٢٨٧٠)
والسنة مبينة لما أجمل في كتاب الله، تخصص عمومه، وتقيِّدُ مطلقه، وتبين الناسخ من المنسوخ فيه، حتى قال إمام التابعين مكحول ﵀: " القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن " انتهى. " الكفاية " (ص/٣٠)
ثانيا:
أما تخصيص عمومات القرآن الكريم بالسنة النبوية فقد ذهب إلى جوازه جماهير الأصوليين.
يقول ابن النجار الفتوحي ﵀:
" يخصَّصُ الكتابُ ببعضه، وبالسنة مطلقا، سواء كانت متواترة أو آحاد:
مثال تخصيص الكتاب بالسنة - حتى مع كونها آحادا، عند أحمد ومالك والشافعي ﵃: قوله ﷾: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ، فإنه مخصوص بقوله ﷺ: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها) متفق عليه، ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب، وقتل المشركين بإخراج المجوس، وغير ذلك.
قال ابن مفلح: وعند الحنفية إن كان خص بدليل مجمع عليه جاز، وإلا فلا. وقيل: بالوقف. وقيل: يجوز ولم يقع " انتهى باختصار.
" شرح الكوكب المنير " (٣/٣٥٩-٣٦٣)
ويقول الشوكاني ﵀:
" اختلفوا في جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد:
فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقا.
وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقا، وحكاه الغزالي في " المنخول " عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء، ونقله أبو الحسين بن القطان عن طائفة من أهل العراق.
وذهب الكرخي إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل، سواء كان قطعيا أو ظنيا، وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز.
وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف.
واستدل في المحصول على ما ذهب إليه الجمهور بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم.
واحتج ابن السمعاني على الجواز بإجماع الصحابة، فإنهم خصوا قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم) بقوله ﷺ: (إنا معشر الأنبياء لا نورث) ، وخصوا التوارث بالمسلمين عملا بقوله ﷺ: (لا يرث المسلم الكافر) ، وخصوا قوله: (فاقتلوا المشركين) بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وغير ذلك كثير.
وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينه واضحة ما وقع من أوامر الله عز وج باتباع نبيه ﷺ من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا، وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية " انتهى.
" إرشاد الفحول " (ص/٢٦٧-٢٨٦)
ويقول العلامة الأمين الشنقيطي ﵀:
" اعلم أن التحقيق أنه يجوز تخصيص المتواتر بأخبار الآحاد؛ لأن التخصيص بيان، وقد قدمنا أن المتواتر يبيَّن بالآحاد، قرآنًا أو سنة " انتهى.
" مذكرة أصول الفقه " (ص/٢٢٢)
ثالثا:
وأما مسألة نسخ السنة لنصوص القرآن الكريم، فقد اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: لا يجوز نسخ السنة الآحادية لنصوص القرآن الكريم: وهو قول جماهير الأصوليين.
بل إن الشافعي في " الرسالة " (ص/١٠٦-١٠٩) وأحمد رحمهما الله اختارا عدم جواز نسخ السنة المتواترة للقرآن الكريم، واختاره أيضا ابن قدامة، وابن تيمية.
يمكن مراجعة المسألة بتوسع في: " البحر المحيط " للزركشي الشافعي (٥/٢٦٢-٢٧٢)
القول الثاني: يجوز نسخ السنة الآحادية لنصوص القرآن الكريم، وإليه ذهب بعض الأصوليين من الحنفية كما في " (٣/٦٢) ، وهو اختيار السبكي في " جمع الجوامع " (ص/٥٧) حيث قال: " والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة، وبالسنة للقرآن، وقيل يمتنع بالآحاد، والحق لم يقع إلا بالمتواترة " انتهى.
وهو اختيار العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀، حيث يقول:
" الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما ; لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئا جديدا لم يكن موجودا قبل، فلا معارضة بينهما البتة لاختلاف زمنهما.
فقوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم)
يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية ; لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك.
فإذا صرح النبي ﷺ بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة، فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح، وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين ; لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح.
فالتحقيق - إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين " انتهى.
" أضواء البيان " (٢/٤٥١-٤٥٢)
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب