ما حكم من يفشي الأسرار؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماذا قيل في القرآن والسنة عن الشخص الذي يكشف سرّاً استأمنه عليه آخر؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
الأسرار من الأمانات، وهي كذلك من العهود التي يجب الحفاظ عليها، ويجب التغليظ على من يفشونها، فيخونون الأمانة، وينقضون العهد، وتعزير من يستحق التعزير منهم.
والأسرار تتفاوت فيما بينها من حيث التغليظ في إفشائها إذ منها ما يكون ضرره عاما وعظيما كإفشاء سر إلى الكفار يكون به هزيمة المسلمين أو فوات النصر عليهم وهو ما يصطلح عليه حديثا باسم الخيانة العظمى ومنها ما هو دون ذلك من مثل ما يكون ضرره خاصا، إلا أن كلَّها تشترك في كونها خيانة للأمانة وإخلافا للعهد.
قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا) الإسراء / ٣٤، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء / ٥٨.
وإذا كان الحفاظ على السر واجبا فإن إفشاء السر حرام.
وقد أسرَّ النبي ﷺ إلى عائشة وحفصة بحديث وائتمنهما عليه، فأظهرتا سرَّه ﷺ، فعاتبهما الله تعالى على ذلك.
قال تعالى: ﴿وإذ أسرَّ النبي إلى بعض أزوجه حديثا فلمَّا نبأت به وأظهره الله عليه عرَّف بعضه وأعرض عن بعض فلمَّا نبأها به قالت مَن أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ التحريم / ٣.
ثم قال تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ التحريم / ٤، (فاعتزل النبي ﷺ أزواجه شهرا من أجل الحديث الذي أفشته حفصة لعائشة) البخاري ٥١٩١، قال ابن حجر ﵀ عن هذا الحديث (وَفِيهِ الْمُعَاقَبَة عَلَى إِفْشَاء السِّرّ بِمَا يَلِيق بِمَنْ أَفْشَاهُ) .
وفي السنة النبوية نجد الترهيب من الاطلاع على أسرار الغير وكذلك الترهيب من نشر ما لا ينبغي نشره من الأسرار.
فمن ذلك: التغليظ على من أراد الاطلاع على عورات الآخرين: ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) البخاري٦٩٠٢ مسلم ٢١٥٨
قال ابن حجرفي شرح الحديث: (وَوَقَعَ عِنْد مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ " مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنه " وَوَرَدَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَصْرَحُ مِنْ هَذَا عِنْد أَحْمَدَ وَابْن أَبِي عَاصِم وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْبَيْهَقِيُّ ... بِلَفْظِ " مَنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَفَقَئُوا عَيْنه فَلا دِيَة وَلا قِصَاص " وَفِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْوَجْه " فَهُوَ هَدَر ") .
ومثله أيضا: الوعيد في حق من تسمَّع لأسرار غيره، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ... وَمَنْ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ البخاري (٧٠٤٢) والآنك هو الرصاص المذاب.
ومن الترهيب من نشر ما لا يحل نشره ما جاء في ذمِّ من نشر سر الزوجية، وجعله من أشر الناس عند الله منزلة.
عن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرَّها ". رواه مسلم (١٤٣٧) .
وفي رواية أخرى عند مسلم (١٤٣٧) : " إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها ". ومعنى " من أعظم الأمانة " أي: من أعظم خيانة الأمانة.
ومن وصايا العرب للعروس: ولا تفشي له سرّاً، فإنك لو أفشيتِ سرَّه، أوغرتِ صدرَه.
وأسرار البيوت لا ينبغي أن تُفشى، وقد كان العقلاء وأهل الدِّين يوصون صاحب السرِّ بعدم إفشائه،
فعن ثابت عن أنس قال: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلَّم علينا، فبعثني إلى حاجة فأبطأتُ على أمي، فلمَّا جئتُ قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثنَّ بسرِّ رسول الله ﷺ أحداً.
قال أنس: والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك يا ثابت. رواه مسلم (٢٤٨٢) .
وإفشاء الأسرار من علامات النفاق، إذ إنه يدخل في خيانة الأمانة.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " أربع مَن كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمِن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ". رواه البخاري (٣٤) ومسلم (٥٨) .
وليس من شرط الأمانة أن يخبر المتكلمُ السامعَ بأن هذا الكلام سرٌّ فلا تخبر به أحدا، بل يكفي أن تدلَّ القرينة على ذلك كما لو أخذه بعيدا عن الناس ليحدِّثه، أو جعل يحدِّثه وهو يتلفَّت خوفا من أن يسمع الناس حديثه، وقد
روى الترمذي (١٩٥٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ. حسنه الألباني في صحيح الترمذي.
قال في "تحفة الأحوذي":
(ثُمَّ اِلْتَفَتَ) أَيْ يَمِينًا وَشِمَالا اِحْتِيَاطًا (فَهِيَ أَمَانَةٌ) أَيْ عِنْدَ مَنْ حَدَّثَهُ أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الأَمَانَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَتْمُهُ. قَالَ اِبْنُ رَسْلانَ: لأَنَّ اِلْتِفَاتَهُ إِعْلامٌ لِمَنْ يُحَدِّثُهُ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَسْمَعَ حَدِيثَهُ أَحَدٌ وَأَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ سِرَّهُ , فَكَانَ الالْتِفَاتُ قَائِمًا مَقَامَ اُكْتُمْ هَذَا عَنِّي أَيْ خُذْهُ عَنِّي وَاكْتُمْهُ وَهُوَ عِنْدَك أَمَانَةٌ اهـ.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب