استشكل تزويج النبي ﷺ ابنتيه لابني أبي لهب وهو عدو الله!
[السُّؤَالُ]
ـ[ما الحكمة في أن الرسول ﷺ زوَّج ابنتيه أبناء عدو الله أبي لهب؟ ألم يكن أبو لهب عدواً للإسلام والمسلمين؟ ألم يكن ابناه كافرين؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
بنات الرسول ﷺ هنَّ: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵅، وهكذا هو ترتيبهنَّ.
قال أبو عمر بن عبد البر – ﵀:
" والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار ترتيب بنات رسول الله ﷺ: أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء " انتهى.
" الاستيعاب " (ص ٦١٢) .
فأمَّا " رقية ": فقد كان رسول اللَّه ﷺ قد زوَّجها من " عتبة بن أبي لهب ".
وأما " أم كلثوم " - وهي أصغر من رقية -: فقد زوَّجها النبي ﷺ من " عتيبة بن أبي لهب ".
والذي جاء في " السير " أنهما طلقا بنتي النبي ﷺ قبل دخولهما عليهما، وذلك بأمرٍ من عدو الله أبي لهب، وكان ذلك بعد نزول سورة " المسد ".
قال ابن عبد البر – ﵀: " وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب، وكانت أختها أم كلثوم تحت عتبة بن أبي لهب، فلما نزلت: (تبت يدا أبي لهب) : قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد، وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما " انتهى.
" الاستيعاب في معرفة الأصحاب " (ص ٥٩٤) .
ثم إن " عثمان بن عفان " تزوج " رقية " بمكة، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولدًا فسماه: " عبد اللَّه "، وكان عثمان يُكنى به.
ولما سار رسول اللَّه ﷺ إلى " بدر " في السنة الأولى للهجرة: كانت ابنته " رقية " مريضة بالحصبة، فتخلَّف عليها عثمان بأمر رسول اللَّه ﷺ، ثم إنها ماتت بسببها في العام نفسه.
ثم زوَّج النبي ﷺ عثمان ﵁ " أم كلثوم "، وكان نكاحه إياها في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد منه ولداً، وتوفيت سنة تسع، وصلَّى عليها رسول اللَّه ﷺ.
ثانياً:
أما استشكال تزوج ابني أبي لهب من بنات النبي ﷺ: فليس له وجه؛ وذلك أن تزوج المسلم بكافرة، وتزويج المسلم لكافر: لم يكن محرما أول الأمر، وإنما نزل تحريم ذلك متأخراً، ولما أنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) الممتحنة/ ١٠، فارق المسلمون نساءهم الكافرات.
وتأصل المنع من ابتداء نكاح الكافرات في قوله تعالى (وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ) البقرة/ ٢٢١، ولم يُبح لهم من الكافرات، إلا نساء أهل الكتاب من اليهوديات والنصرانيات فقط، وقد وردت تلك الإباحة فيما بعد، في قوله تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة/ ٥.
قال القرطبي – ﵀:
" وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فطلق عمرُ بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين:
قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة.
وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية - أم عبد الله بن المغيرة -؛ فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما " انتهى.
" تفسير القرطبي " (١٨ / ٦٥) .
فالخلاصة:
١. كان زواج المسلم بالكافرة، والمسلمة بالكافر مباحاً في أول الأمر.
٢. كان تزويج النبي ﷺ لابني أبي لهب في أول الدعوة.
٣. لمَّا أعلن النبي ﷺ بالدعوة: اغتاظ أبو لهب فأساء للنبي ﷺ، وأعلن العداوة له، فأنزل الله في حقه وحق زوجته سورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ، فطلب أبو لهب وأم جميل من ابنيهما تطليق بنتي النبي ﷺ.
٤. كان الطلاق قبل الدخول؛ غيظاً لأبي لهب؛ وإكراماً للنبي ﷺ.
٥. كانت " زينب " ابنة النبي ﷺ مع أبي العاص، وفرَّق بينهما النبي ﷺ بسبب كفره، ثم لما أسلم: أرجع له النبي ﷺ زوجته.
٦. كان التزوج من كافرات، وتزويج الكفار أمراً عامّاً، فليس ثمة نص يمنع أحداً منه، فلم يكن مجال لاستشكال الأمر عند من يعلم هذا.
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب