دفع الرشوة ليأخذ حقه
[السُّؤَالُ]
ـ[لي أعمال مع بعض الدوائر الحكومية، وإذا لم يأخذ الموظف رشوة فإنه يعطل أعمالي، فهل يجوز لي أن أعطيه رشوة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولاً:
الرشوة من كبائر الذنوب، لما رواه أحمد (٦٧٩١) وأبو داود (٣٥٨٠) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي. صححه الألباني في "إرواء الغليل" (٢٦٢١) .
و"الراشي" هو معطي الرشوة، و"المرتشي" هو آخذها.
فإذا استطعت إنهاء أعمالك من غير دفع للرشوة حرم عليه دفعها.
ثانياً:
إذا لم يستطع صاحب الحق أخذ حقه إلا بدفع رشوة فقد نص العلماء ﵏ على جواز دفعه للرشوة حينئذ ويكون التحريم على الآخذ لها لا المعطي، واستدلوا بما رواه أحمد (١٠٧٣٩) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَسْأَلُنِي الْمَسْأَلَةَ فَأُعْطِيهَا إِيَّاهُ فَيَخْرُجُ بِهَا مُتَأَبِّطُهَا، وَمَا هِيَ لَهُمْ إِلا نَارٌ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ تُعْطِيهِمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ يَأْبَوْنَ إِلا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ) صححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٤٤) .
فكان النبي ﷺ يعطي هؤلاء المال مع أنه حرام عليهم، حتى يدفع عن نفسه مذمة البخل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ , وجاز للدافع أن يدفعها إليه , كما كان النبي ﷺ يقول: (إني لأعطي أحدهم العطية ... الحديث) " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (٤/١٧٤) .
وقال أيضا:
" قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ رِشْوَةُ الْعَامِلِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ لا لِمَنْعِ الْحَقِّ، وَإِرْشَاؤُهُ حَرَامٌ فِيهِمَا (يعني: أخذه للرشوة حرام) . . .
وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ أَعْطَى الرَّجُلُ شَاعِرًا أَوْ غَيْرَ شَاعِرٍ ; لِئَلا يَكْذِبَ عَلَيْهِ بِهَجْوٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِئَلا يَقُولَ فِي عِرْضِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَانَ بَذْلُهُ لِذَلِكَ جَائِزًا وَكَانَ مَا أَخَذَهُ ذَلِكَ لِئَلا يَظْلِمَهُ حَرَامًا عَلَيْهِ ; لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ ظُلْمِهِ. . .
فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ لِئَلا يَكْذِبَ عَلَى النَّاسِ أَوْ لِئَلا يَظْلِمَهُمْ كَانَ ذَلِكَ خَبِيثًا سُحْتًا ; لأَنَّ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهُ بِلا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَظْلُومِ فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْهُ إلا بِالْعِوَضِ كَانَ سُحْتًا " انتهى باختصار.
"مجموع الفتاوى" (٢٩/٢٥٢) .
وقال أيضا: (٣١/٢٧٨) :
" قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ مَنْ أَهْدَى هَدِيَّةً لِوَلِيِّ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ مَعَهُ مَا لا يَجُوزُ كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمَهْدِيِّ وَالْمُهْدَى إلَيْهِ. وَهَذِهِ مِنْ الرَّشْوَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي) .
فَأَمَّا إذَا أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً لِيَكُفَّ ظُلْمَهُ عَنْهُ أَوْ لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ: كَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ حَرَامًا عَلَى الآخِذِ وَجَازَ لِلدَّافِعِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ كَمَا، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (إنِّي لأُعْطِي أَحَدَهُمْ الْعَطِيَّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَارًا. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ تُعْطِيهِمْ، قَالَ: يَأْبَوْنَ إلا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ) .
وَمِثْلُ ذَلِكَ: إعْطَاءُ مَنْ كَانَ ظَالِمًا لِلنَّاسِ، فَإِعْطَاءُه جَائِزٌ لِلْمُعْطِي، حَرَامٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ.
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فِي الشَّفَاعَةِ: مِثْلُ أَنْ يَشْفَعَ لِرَجُلِ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ لِيَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا أَوْ يَسْتَخْدِمُهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ - وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ - أَوْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْقُرَّاءِ أَوْ النُّسَّاكِ أَوْ غَيْرِهِمْ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَنَحْوَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي فِيهَا إعَانَةٌ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكُ مُحَرَّمٍ: فَهَذِهِ أَيْضًا لا يَجُوزُ فِيهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَيَجُوزُ لِلْمهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ. هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ الأَكَابِرِ " انتهى بتصرف يسير.
وقال تقي الدين السبكي ﵀: " والمراد بالرشوة التي ذكرناها ما يعطى لدفع حق أو لتحصيل باطل، وإن أطيت للتوصل إلى الحكم بحق فالتحريم على من يأخذها , وأما من يعطيها فإن لم يقدر على الوصول إلى حقه إلا بذلك جاز، وإن قدر إلى الوصول إليه بدونه لم يجز " "فتاوى السبكي" (١/٢٠٤) .
وقال السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص ١٥٠) :
" القاعدة السابعة والعشرون: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) كالربا، ومهر البغي , وحلوان الكاهن والرشوة , وأجرة النائحة والزامر.
ويستثنى صور: منها: الرشوة للحاكم , ليصل إلى حقه , وفك الأسير، وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه " انتهى.
و"حلوان الكاهن": ما يأخذه الكاهن مقابل كهانته.
وقال الحموي (حنفي) في "غمز عيون البصائر":
" القاعدة الرابعة عشرة: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، والرشوة، وأجرة النائحة والزامر , إلا في مسائل:
١- الرشوة لخوفٍ على ماله أو نفسه.
وهذا في جانب الدافع أما في جانب المدفوع له فحرام " انتهى بتصرف.
وجاء في "الموسوعة الفقهية":
" وفي "الأشباه" لابن نجيم (حنفي) , ومثله في "المنثور" للزركشي (شافعي) : ما حرم أخذه حرم إعطاؤه , كالربا ومهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة للحاكم إذا بذلها ليحكم له بغير الحق , إلا في مسائل: في الرشوة لخوفٍ على نفسه أو ماله أو لفك أسير أو لمن يخاف هجوه " انتهى.
وقال الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي: " إذا تعينت الرشوة دون غيرها سبيلاً للوصول إلى الغرض جاز الدفع للضرورة، ويحرم على الآخذ " انتهى.
والخلاصة: أنه يجوز لك دفع الرشوة ويكون التحريم على الموظف الذي يأخذها، لكن بشرطين:
١- أن تدفعها لتأخذ حقك أو لتدفع بها الظلم عن نفسك، أما إذا كنت تدفعها لتأخذ ما لا تستحق فهي حرام، ومن كبائر الذنوب.
٢- ألا يكون هناك وسيلة أخرى لأخذ حقك أو دفع الظلم عنك إلا بهذه الرشوة.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب