قصة قتل أم قرفة وهل مثل بها
[السُّؤَالُ]
ـ[عندنا رجل نصراني يدعي أن النبي ﷺ قتل امرأة يقال لها أم قرفة بربط رجليها كل واحدة في حصان ثم زجرالحصانين فشقاها نصفين، فهل هذا الكلام صحيح؟ وهل يصح القتل بهذه الطريقة؟.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فينبغي أن تعلم أولا أنه يجب على المرء أن يبتعد عن الشبه ـ سيما ـ إذا لم تكن لديه حصانة علمية كافية لردها ودحضها, فقد تقع موقعها في نفسه وتتمكن منه فلا يستطيع ردها, فتشككه في دينه وقد تصده عنه وهي من التفاهة والسقوط بمكان لوعرضت على أهل العلم وأولي الأمر، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿النساء: ٨٣﴾ .
وأولئك القوم إنما يتتبعون من الأخبار والآثار ما كان كذلك, وقد يكون واهيا ضعيفا ولا يلتفتون إلى الأصول والقواعد المقررة والأخبار الصحيحة الصريحة ولاغرو.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم.
وقصة أم قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن زيد ـ التي يدندن حولها ذلك الكافر لم يكن القاتل لها رسول الله ﷺ، وإنما قتلها زيد بن حارثة ولم يكن قتلها بالطريقة التي ذكرها، وقصتها كما في كنز العمال لع لاء الدين: عن عائشة ﵂ قالت أتانا زيد بن حارثة ـ تقصد من غزوة أم قرفة ـ فقام إليه رسول الله ﷺ يجر ثوبه فقبل وجهه, قالت عائشة: وكانت أم قرفة جهزت أربعين راكبا من ولدها وولد ولدها إلى رسول الله ﷺ ليقاتلوه، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فقتلهم وقتل أم قرفة وأرسل بدرعها إلى رسول الله ﷺ فنصبه بالمدينة بين رمحين.
وفي الدلائل لأبي نعيم أن زيد بن حارثة قتل أم قرفة في سريته إلى بني فزارة.
وذكر ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية رواية أخرى وضعفها قال: وعن عائشة ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي ﷺ أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت. أخرجه الدارقطني وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري وهو كذاب.
وقال في فتح الباري: والغزوة السابعة ـ غزوة زيد بن حارثة ـ إلى ناس من بني فزارة, وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس من بني فزارة فأخذوا ما معه وضربوه, فجهزه النبي ﷺ إليهم فأوقع بهم وقتل أم قرفة بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء وهي: فاطمة بنت ربيعة بن بدر زوج مالك بن حذيفة بن بدرعم عيينة بن حصن بن حذيفة وكانت معظمة فيهم.
. قال السرخسي في المبسوط: والمرتدة التي قتلت كانت مقاتلة، فإن أم مروان كانت تقاتل وتحرض على القتال وكانت مطاعة فيهم, وأم قرفة كان لها ثلاثون ابنا وكانت تحرضهم على قتال المسلمين، ففي قتلها كسر شوكتهم.
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وكانت أم قرفة جهزت أربعين راكبا من ولدها وولد ولدها إلى رسول الله ﷺ ليقاتلوه، فأرسل إليهم زيدا فقتلهم وقتلها وأرسل بدرعها إلى النبي ﷺ فنصبه بالمدينة بين رمحين. رواه المحامي عن عبد الله بن شبيب عنه, وروى عنه الترمذي عن البخاري عن إبراهيم هذا وحسنه.
وفي روايات أخرى ضعيفة: أن زيد بن حارثة مثل بها عند قتلها, فيقال: ربطها في ذنب فرسين وأجراهما فتقطعت، ويذكر ذلك عن أبي بكر، ويذكرعن خالد, وهو يدل على اضطراب القصة وضعفها وعدم ثبوت ذلك, بل الصحيح هو قتلها فحسب وكانت مقاتلة, والمرأة إذا قاتلت تقتل.
قال السرخسي في المبسوط: لما رأى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل.
ففي هذا بيان أن استحقاق القتل بعلة القتال, فمتى قاتلت المرأة أو كانت تحرض وتعين المقاتلين فإنها تقتل، قال ابن عبد البر في الاستذكار: وقد كان حكم رسول الله ﷺ في مغازيه أن تقتل المقاتلة وتسبى الذراري والعيال، والآثار بذلك متواترة وهو أمر مجتمع عليه إلا أن تقاتل المرأة وتأتي ما يوجب القتل.
وعلى فرض صحة الرواية عن أبي بكر وأنه مثل بالمرتدة فهو سياسة منه للتأديب.
قال السرخسي: ويحتمل أنه كان ذلك من الصديق ﵁ بطريق المصلحة والسياسة، كما أمر بقطع يد النساء اللاتي ضربن الدف لموت رسول الله ﷺ لإظهار الشماتة.
وإن كانت رواية المثلة بعيدة جدا لنهي الإسلام عن المثلة، كما عند البخاري وغيره من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي ﷺ: أنه نهى عن النهبة والمثلة.
وعند أحمد من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا: ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة الا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة.
فالمثلة منهي عنها فيبعد أن يفعلها أبوبكر ﵁ أو غيره من الصحابة إلا إذا جاء الدليل صحيحا صريحا بذلك, فيجاب عنه بما ذكر السرخسي آنفا, ولم نقف على خبر صحيح يقتضي ذلك فيما اطلعنا عليه, وأما روايات السير وقصص التاريخ فلا يثبت بها حكم ـ سيما ـ إن خالفت أصول الشريعة وقواعدها, ومن تلك الأصول والقواعد ما جاء في الصحيح من حديث شداد بن أوس قال: اثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح, وليحد أحدكم شفرته, وليرح ذبيحته. رواه مسلم.
فإذا كان إحسان القتلة مأمور به عند ذبح البهيمة، فكيف بالإنسان؟ وانظر الفتاوى التالية أرقامها: ١٦٤٦، ٥٣٣٧٣، ٦٨٧٩٠، ٧١٢٢٦.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٠ رمضان ١٤٣٠