حرمة النبي ﷺ في حياته وموته سواء
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يجوز للمرأة أن تقول أتمنى أن أرى الرسول ﷺ في منامي وأن أضمه وأقبله، وذلك لأن الرسول ﷺ لم يكن يصافح النساء، وهل سنصافحه ﷺ في الجنة؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فلا يجوز للمرأة أن تقول هذا ولا أن تتمناه وذلك لأن هذا حكم مخالف للشريعة، فرسول الله ﷺ لم يكن يصافح النساء ولا مست يده الشريفة يد امرأة أجنبية قط، ومعلوم أنه لا يجوز تمني الحرام لا في نوم ولا في يقظة، وأيضاً فإن هذا ليس من الأدب مع رسول الله ﷺ لأن رؤيا الرسول حق لقوله ﷺ كما جاء في صحيح البخاري: من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي.
فلا يجوز أن يتمنى الإنسان فيها ما لا يليق، لأنه ﷺ له من التوقير والتعظيم ما ليس لغيره حتى بعد موته، وحرمته ميتاً كحرمته حياً، قال القاضي عياض في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى": واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته. ثم ذكر القاضي ﵀ ما كان من الإمام مالك ﵀ عندما قال لأمير المؤمنين أبي جعفر في مسجد رسول الله ﷺ: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ. ومدح قوماً فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ... وذم قوماً، فقال: إن الذين ينادونك. وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر.
وذكر القاضي ﵀ أيضاً أنه: لما كثر على مالك الناس قيل له: لو جعلت مستملياً يسمعهم؟ فقال: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ. وحرمته حياً وميتاً سواء. وكان ابن سيرين ربما يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي خشع. وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي أمرهم بالسكوت، وقال: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ. ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله.
فهذه أخبار السلف -رضوان الله عليهم- وما كانوا عليه من تعظيم لرسول الله ﷺ بعد موته، فكيف بعد هذا يتمنى الإنسان ما لا يقره رسول الله ﷺ ولا يليق بمكانته المقدسة، ولا يوافق شريعته المطهرة، بل وكيف يطمع مع هذا أن يراه؟ فإن رؤيته ﷺ لا تتيسر لكل أحد، بل كلما كان الإنسان أتقى لله وأكثر اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ كان توقع رؤياه للنبي ﷺ أكثر احتمالاً من غيره، ولكن لا يلزم من عدم الرؤية له عدم صلاح الشخص، ولا يلزم أيضاً من شدة التقوى والمتابعة رؤية الرسول ﷺ فالأمر في النهاية توفيق من الله تعالى، وفضل من الله يؤتيه من يشاء.
وأما مصافحة النساء للنبي ﷺ في الجنة فعلم ذلك عند علام الغيوب ﷻ، لأن أمور الآخرة لا يدرك تفاصيلها على الحقيقة إلا رب العالمين، وينبغي ألا نشتغل بهذا بل على المرء أن يشتغل بما يبلغه الجنة فإذا بلغها فإن له فيها ما تشتهيه نفسه، وتقر به عينه، وللفائدة في ذلك تراجع الفتوى رقم: ٧١٨٧٤، والفتوى رقم: ٣١٨٥٤.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٨ ذو الحجة ١٤٢٩