جواب شبهة حول قرابة خولة بنت حكيم لرسول الله ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[أناشدكم الله أن تجيبوني:
هناك من يدّعي أنّ خولة بنت الحكيم خالة النبي، ويعتمد في قوله هذا على ما ورد في مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة وحجاج قال حدثني شعبة قال سمعت عطاء الخراساني يحدث عن سعيد بن المسيب أن خولة بنت حكيم السلمية وهي إحدى خالات النبي ﷺ سألت النبي ﷺ عن المرأة تحتلم فقال رسول الله ﷺ لتغتسل، وبعد هذا يأتون ويقولون إنّ النبي ﷺ تزوّج من خالته.
نريد تفنيد هذه الشبهة]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فخولة بنت حكيم السلمية كانت ممن وهبن أنفسهن للنبي ﷺ وأرجأها النبي ﷺ فيمن أرجأ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ.. قال ابن حجر: قوله بنت حكيم أي ابن أمية بن الأوقص السلمية وكانت زوج عثمان بن مظعون وهي من السابقات إلى الإسلام وأمها من بني أمية.
ورواية أحمد في مسنده وفيها أنها من خالاته ﷺ فيها وهم والصواب أنها خالة سعيد بن المسيب كما في الروايات الأخرى الصحيحة، ومنها ما أخرجه الدارمي في سننه قال: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا شعبة عن عطاء الخرساني، قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: سألت خالتي خولة بنت حكيم السلمية رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم فأمرها أن تغتسل، قال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح. قال إسحاق بن راهويه في مسنده: ما يروى عن خولة بنت حكيم عن رسول الله ﷺ، قال أبو يعقوب فكانت إحدى خالات سعيد بن المسيب.
فليست خولة من خالاته ﷺ، وعلى من زعم ذلك أن يثبت خؤولة خولة بنت حكيم السلمية له ﷺ، فنسب خولة معلوم ونسب آمنة بنت وهب معلوم أيضا، كل ذلك مسطر في كتب السيرة والتاريخ، قال ابن حبان في الثقات: وأم رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ولم يكن لها أخ فيكون خالا للنبي ﷺ إلا عبد يغوث بن وهب، ولكن بنو زهرة يقولون إنهم أخوال رسول الله ﷺ لأن آمنة أم رسول الله ﷺ كانت منهم، وأم آمنة بنت وهب اسمها مرة بنت عبد العزى وأمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وأمها برة بنت عوف هؤلاء جدات رسول الله ﷺ من قبل أم أمه.
وأما خولة بنت حكيم فأمها ضعيفة بنت العاص بن أمية بن عبد شمس، وهي خالة سعيد بن المسيب فأمه نسيبة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمي أخت خولة وهو الذي روى عنها ذلك الحديث، فصرح بعض رواته بتلك الخؤولة كما في رواية الدارمي فحصل وهم من أحد الرواة فقال "إحدى خالات النبي ﷺ " فأدرج تلك العبارة خطأ. وعلى فرض صحتها وأن الراوي قصد معناها فتحمل الرواية على أنه قصد الخؤولة البعيدة، فخولة من أخواله ﷺ لأبيه نسبا وحينئذ فلا إشكال، وقد رد بعض أهل العلم على هذه الشبهة فقال: اختلف أهل العلم في ذلك فجعل بعضهم أن التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة أخرى ليست خولة بنت حكيم ولكن هذا مردود برواية البخاري وغيرها من الروايات التي تبين أن خولة هي بنت حكيم السلمية امرأة عثمان بن مظعون، وهي من أخوال النبي ﷺ، وليس القصد بأنها أخت لوالدته وإنما هي من أخواله لأبيه نسبا. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج٧/ص٨٣:
قوله: (وبنو زهرة أخوال النبي ﷺ أي لأن أمه آمنة منهم وأقارب الأم أخوال. انتهى
وعلى هذا فخولة ليست من خالات النبي ﷺ أي أخوات أمه، وإنما هي من أخواله بني زهرة لكنها خالة سعيد بن المسيب الذي روى عنها الحديث. ولسنا بحاجة إلى الإطناب في ذلك لأن المسألة لا يتحاكم فيها إلى العقل وكثرة الحجج وإنما إلى التاريخ والأنساب وقد تبين ذلك.
ولكن ننبهك أيها السائل الكريم إلى أن الخوض مع المضلين في شبههم التي يتلمسونها من القرآن الكريم وكتب السنة المطهرة وشريعتنا الغراء لا ينبغي إلا لمن رسخت قدمه في العلم وقلبه في اليقين والفهم لأن الشبهة قد تقع موقعها منه فلا يستطيع دفعها لقلة علمه أو سوء فهمه وهي واهية تافهة هزيلة ساقطة أوهن من بيت العنكبوت لو عرضت على أهل العلم. قال تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿النساء:٨٣﴾
وقد بينا خطورة الخوض في الشبه ومجادلة أصحابها دون علم في الفتويين رقم: ٦٠٦٩، ٥٦٤٠٢.
والله أعلم
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٣٠ جمادي الأولى ١٤٢٧