أمية النبي ﷺ.. رؤية شرعية
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول النصارى إن النبي ﵊ لم يكن أمياً (أي لا يقرأ ويكتب) ويستدلون على ذلك بالحديث الذي أخرجه البخاري (كتاب المغازي) في "عمرة القضاء" وفيه أن الرسول ﵊ كتب فيه وفي الحديث: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ، فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبد الله. ويقولون إن الأمية مقصود بها الجهل وليست القراءة والكتابة، فما هو الجواب على هذا؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كذب النصارى فيما أخبروا به عن النبي ﷺ، والقصة قد أوردها البخاري وغيره من حديث البراء ﵁ وفيها: ... كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي بن أبي طالب ﵁: امح رسول الله، قال علي: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ... الحديث.
فالحديث قد صرح بأنه ﷺ ليس يحسن يكتب، وجاء في بعض طرقه، كما ورد في فتح الباري: ... فقال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحوه أبداً، قال: فأرنيه، فأراه إياه فمحا النبي ﷺ بيده ... فأي شيء أصرح من هذا في أنه ﷺ لا يقرأ ولا يكتب، وكل ما في الأمر هو أنه ﷺ هو الآمر الناهي، وبالتالي فنسبة الكتابة إليه إنما هي على سبيل المجاز، لأنه لا شيء يُكتب أو يمحى إلا بأمره وإذنه، هذا الذي ذكرناه هو الذي عليه جمهور أهل العلم.
وقال البعض: إن الأمية زالت عنه، واستدلوا بأدلة، منها: التغيير الذي وقع في صحيفة صلح الحديبية، ومنها: أنه قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها، وثالثها: أنه قال عن المسيح الدجال (مكتوب بين عينيه كافر) ، ورد القائلون باستمرار أميته على الدليل الأول بأن كونه ﷺ كتب بعض كلمات لا يمحو عنه وصف الأمية، فكثير من الأميين اليوم يكتبون أسماءهم ويوقعون بها ومع ذلك لا يستطيعون أن يقرؤوا ما وقعوا عليه، فهم ما يزالون على الرغم من ذلك أميين. وردوا على الدليل الثاني بأن الحديث غير صحيح، فلا يعارض الصحيح القوي من النصوص، كما ردوا على الدليل الثالث بأن معرفته لبعض الحروف لا تمحو عنه وصف الأمية، ويمكن مراجعة المزيد عن هذا في فتح الباري (٧/٥٠٣) ، وفي النووي على صحيح مسلم (١٢/١٣٧) .
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١٢ شوال ١٤٢٨