هل منع عمر ﵁ أبا هريرة من رواية الحديث
[السُّؤَالُ]
ـ[هل منع سيدنا عمر ﵁ أبا هريرة من رواية الحديث؟ وجزاكم الله خيراً.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنا لا نعلم في هذا إلا ما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كنا قعودا حول رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أول من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط في بئر خارجة، والربيع الجدول، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب فدخلت على رسول الله ﷺ: فقال: أبو هريرة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه، قال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبة فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء وركبني عمر فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله ﷺ: ما لك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع، فقال له رسول الله ﷺ: يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ابعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون، قال رسول الله ﷺ فخلهم.
وقد ذكر النووي في شرح الحديث أنه يستنبط منه إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحة، وموافقة المتبوع له إذا رآه مصلحة ورجوعه عما أمر به بسببه.
ويدل لاعتبار رأي عمر في هذا وأصوبيته ما روى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ قال لمعاذ: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً.
وقد ذكر ابن حجر في الفتح أنه روى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في هذه القصة: أن النبي ﷺ أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر فقال: لا تعجل، ثم دخل فقال: يا نبي الله أنت أفضل رأياً إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها فرده.
قال ابن حجر وهذا معدود من موافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته ﷺ.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
١١ ربيع الثاني ١٤٢٥