حرمة العقوق وبيان ما يجب على الولد والوالد تجاه بعضهما
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أعاني من خلافات مع والدي ورجائي الوحيد أن تزول كل هذه الخلافات التي ولدت انشقاقا وفرق بيني وبين العائلة وخوفي أن أقع في عقوق الوالدين رغم محاولاتي لإصلاح كل الأمور لكن....إني التمس منكم أن تبين لي ما هي حدود كل طرف منا مع العلم أن كل حوارلا يخلو من الدعاء والسخرية علي ... إني التمس منكم أن تتفهموا أمري هذا؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فيحسن بنا ذكر شيء مما ورد في الترهيب من عقوق الوالدين قبل الإجابة عن السؤال نقلا من كتاب صحيح الترغيب والترهيب للألباني ﵀.
فعن أبي بكرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله: قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. رواه البخاري ومسلم
وعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان عطاءه. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والديوث والرجلة. رواه النسائي
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة حرم الله ﵎ عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبث في أهله. رواه أحمد.
وعن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: ثلاثة لا يقبل الله ﷿ منهم صرفا ولا عدلا: عاق ولا منان ومكذب بقدر. رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن صحيح
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه. رواه البخاري ومسلم
وفي رواية للبخاري ومسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه: قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه.
وعن عمرو بن مرة الجهني ﵁ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت رمضان فقال النبي ﷺ: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب أصبعيه ما لم يعق والديه. رواه أحمد والطبراني.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك الحديث. رواه أحمد وغيره وتقدم في ترك الصلاة بتمامه.
وتقدم في اللواط حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: قال ملعون من عمل عمل قوم لوط ... ملعون من عق والديه. الحديث رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد.
وتقدم أيضا حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من سب والديه. الحديث رواه ابن حبان في صحيحه.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها منان بعمله ولا عاق ولا مدمن خمر. رواه الطبراني في الصغير
وتقدم في شرب الخمر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه. رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد
فهذا شيء يسير مما ورد في الوعيد والترهيب من عقوق الوالدين، وفيه بيان أن العقوق من أكبر الكبائر، وأن الجنة حرام على العاق، وغيره من الوعيد والتهديد
فالعاقل الناصح لنفسه لا يقدم على هذا الذنب العظيم ولا يتصف بهذا الوصف الذميم.
أما حدود كل طرف تجاه الآخر فقد بين الله عز ما يجب على الولد نحو والده في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿الإسراء:٢٣﴾
أولا: الإحسان إليهما والإحسان بابه واسع، سواء كان في الأقوال أو الأفعال، فكل ما هو معروف عند الناس أنه من الإحسان فالوالدان أولى به. ما لم يكن معصية.
ثانيا: عدم التضجر منهما بكل قول ولو بقول أف وهو أدنى درجات التضجر.
ثالثا: عدم نهرهما أي زجرهما ورفع الصوت عليهما.
رابعا: إلانة القول لهما وقل لهما قولا كريما أي ليناً طيباً حسناً بتأدب وتوقير وتعظيم.
خامسا: خفض الجناح لهما والتواضع لهما والرفق بهما.
سادسا: الدعاء لهما وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني ولا فرق بين الوالد المحسن الرفيق بولده في هذه الحقوق مع الوالد الفظ الغليظ.
فهذا بعض مما يجب على الولد تجاه والده في باب المعاملة، أما الوالد فيجب عليه أن يرفق بولده وأن يعامله معاملة طيبة لقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴿البقرة: ٨٣﴾ والولد أولى من غيره بذلك وأن ينفق عليه ما دام فقيرا صغيرا، وأن لا يشق عليه، فإن شق عليه مشقة زائدة غير محتملة لم يلزم الولد طاعته فيها، كما لا يلزم الولد طاعته في معصية الله ﷿، ولمزيد من الفائدة تراجع الفتوى رقم: ٣٥٦٤١.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٤ شوال ١٤٢٧