زواج الأب بعد موت امرأته هل يسوغ عقوق أبنائه
[السُّؤَالُ]
ـ[فضيلة الشيخ الكريم حفظه الله:
توفيت والدتي رحمها الله بعد مرض طويل، وكانت رحمها الله مثالا طيبا في حب وإكرام أبنائها وكذلك بناتها المتزوجات، ولم يكن يشغلها أي شيء من أمور الدنيا المادية بأنواعها بل كانت كريمة وحنونة جدا، ونظرا لرغبة والدي في الزواج بعد وفاتها بثلاثة شهور فقط متجاهلا لمشاعرنا فقد حدثت مشاكل أسرية وخلط للأوراق فيما بيننا أو بالأحرى حواجز نفسية، ولقد أبلغني أخي خلال حديثنا أن أختنا الكبرى (التي كانت المفضلة في الإكرام من أمي) قد قالت إن أبي ظالم وأن ظلمه كان سببا في موت أمي كعقاب إلهى وإنها أيضا تستحق الجحيم لسكوتها و..... وكلام لا نستطيع تصديقه لأنه غير صحيح بالمرة، أنا ليست لدى نية لقطع الأرحام أو فتح هذا الموضوع من أصله مع أحد حفاظا على ترابطنا الأسرى ولكن ما في القلب في القلب كما يقولون، ومشاعري تجاه أختي تغيرت للعكس تماما وبشكل لا إرادي، وأحزن على أمي حتى حد المرض، وأكره ما قيل، أفيدونى ماذا أفعل وجزاكم الله خيرا.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فرحم الله تلك الأم الحنون وغفر لها، وجزاها عنك وعن إخوتك خير الجزاء، واعلموا أن حقها عليكم باق حتى بعد موتها وذلك بالدعاء لها، ففي الحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: وذكر منها ولد صالح يدعو له، فلا تبخلوا عليها بالدعاء.
أما والدكم فوجوده بينكم نعمة تستوجب الشكر، وفرصة تغتنم، كيف وقد قال ﷺ: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه. رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
وقال ﵊: رغم أنف رجل بلغ والداه عنده الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. رواه الترمذي وهو حديث صحيح.
وقد أمر الله بالإحسان إليه لاسيما وقت الكبر بقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿الإسراء: ٢٢-٢٤﴾ .
وينبغي لكم التماس العذر له في الزواج، بل وإعانته عليه، فالعزوبة مرة، وتورث الكآبة وليست من الإسلام في شيء كما ورد ذلك عن السلف، والشيخ الكبير أكثر حاجة إلى امرأة ترعاه وتقوم على خدمته، فهو ضائع بدون زوجة تخدمه، ويدل لذلك إذن النبي ﷺ لامرأة هلال بن أمية ﵁ -أحد الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك - في خدمته، رغم نهيه عن تكليمهم، ففي الصحيحين: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال لا.. الحديث) .
والشاهد أنها وصفته بالضائع، وأذن النبي ﷺ لها بخدمته لما يعلم من شدة حاجته لذلك.
فاحرصوا على ما يجمع قلوبكم، ويقوي أخوتكم، وينبغي نصح المسيء منكم، وتحذيره من العقوق، ولا يجوز لأحد أن يحكم على أحد بجنة أو نار إلا من ورد فيه خبر عن الصادق المصدوق ﷺ. وانظر الفتوى رقم: ٤٦٢٥.
وهذه المرأة التي تذكر أمها بما قاله السائل ينبغي أن تنصح فتدعو لأمها بخير وتستغفر لها بدلا من الحكم عليها بما ذكر، نسأل الله العافية والسلامة من سوء الأخلاق.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٥ شعبان ١٤٢٧