هل قص الشارب أفضل أم حلقه؟
[السُّؤَالُ]
ـ[ماحكم حلق الشارب نهائيا؟]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اختلف العلماء ﵏ في حكم حف الشارب بالكلية حتى تظهر البشرة من تحته، فللحنفية قولان أحدهما للمتأخرين والآخر للمتقدمين.
قال ابن عابدين في (رد المحتار) : واختلف في المسنون في الشارب هل هو القص أو الحلق المذهب عند بعض المتأخرين من مشايخنا أنه القص، قال في (البدائع) : وهو الصحيح، وقال الطحاوي: القص حسن، والحلق أحسن، وهو قول علمائنا الثلاثة. ا. هـ
وقال الزيلعي في (تبيين الحقائق) : قال فخر الإسلام البزدوي: واحتج أصحابنا ﵏ بحديث أبي هريرة ﵁ وابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى". والإحفاء: الاستئصال، والقص محتمل، فيُحمل على ما روينا لأنه مُحكم. ا. هـ.
وذهب المالكية إلى عدم جواز حلق الشارب بالكلية، قال الباجي في (شرح الموطأ) : (روى ابن الحكم عن مالك: ليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه، وروى أشهب عن مالك: حلقه من البدع) . ا. هـ
وقد عد ابن فرحون في (تبصرة الحكام) حالق الشارب فيمن تُرد شهادتهم.
وذهب الشافعية في المذهب إلى المنع من الحف، وأن السنة هي الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة، قال النووي في (المجموع) : ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله، هذا مذهبنا، وقال أحمد ﵀: إن حفه فلا بأس، وإن قصه فلا بأس. ا. هـ
ودليل من قال بجواز الحف ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "جزوا الشوارب، وأرخوا اللِّحى، خالفوا المجوس".
وما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "انهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى" فحملوا النهك والحف والجز على الاستئصال.
قال الزيلعي نقلاً عن البزدوي: والإحفاء: الاستئصال. ا. هـ
وأما دليل من ذهب إلى عدم جواز الاستئصال فهو تفسير الجز والحف والنهك بالقص بما زاد عن طرف الشفة.
وحكى العراقي عن القاضي عياض التخيير بين الأمرين، كما في طرح التثريب.
وبناءً على ما سبق، فقد تبين لنا أن الخلاف في المسألة قوي، ولذلك قال فيها بعض العلماء بالتخيير، وإن كنا نرجح أن التقصير أولى من الحف، لما في رواية النسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الظفر، وتقصير الشارب".
فقد صرحت هذه الرواية بالتقصير، فتحمل عليها الروايات الأخرى.
وأما طرفا الشارب وهما السبالان، فقد اختلف العلماء هل هما من الشارب أم من اللحية؟ فعند الشافعية والحنابلة هما من الشارب، وعليه فلهما حكمه، إلا أنه لا بأس عند الشافعية بترك السبالتين، لفعل عمر ﵄، ولأنهما لا يستران الفم، ولا يبقى فيهما غمر الطعام، إذ لا يصل إليهما، نقله العراقي عن الغزالي في طرح التثريب.
ولكل من الحنفية والمالكية في السبالتين قولان: أحدهما: أنهما من الشارب، والآخر: أنهما من اللحية.
وعلى القول الثاني يكون لهما حكم اللحية، والراجح -والله أعلم- هو أنهما يأخذان حكم الشارب، لما روى أحمد في مسنده عن أبي إمامة ﵁ في حديث طويل في مخالفة أهل الكتاب وفيه: فقلنا يا رسول الله، إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، قال: فقال النبي ﷺ: "قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب". وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط. والعثانين جمع عثون، وهي اللحية.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٠ ربيع الأول ١٤٢٣